عن عائشة، ما يدل على أنها كانت محرمةً بحجة لا بعمرة، وذكروا حديث يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا أنه الحج، أو لا نرى إلا الحج. هكذا رواه مالك، وسليمان بن بلال، وسفيان بن عيينة، وغيرهم، عن يحيى بن سعيد، وكذلك روى منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ولا نرى إلا الحج. وروى حماد بن سلمة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لبينا بالحج … »، فذكر الحديث، ثم أسنده، ثم قال:«ففي هذا الحديث: عن عائشة: لبينا بالحج، وفيه: أن رسول الله ﷺ قال لها حين شكت إليه حيضتها: «انسُكي المناسك كلها غير الطواف»، وهذا واضح أنها كانت حاجة مهلة بالحج، والله أعلم»، قلت: قد سبق الجواب عن ذلك، وكيف الجمع بين طرق حديث عائشة، وأنها كانت قارنة، وأعمال القارن هي نفس أعمال المفرد، وقد أهدى عنها النبي ﷺ وعن بقية أزواجه البقر، ويأتي بيانه بعد ذلك أيضاً.
ومما استعملناه في الرد على هذا القول، ما قاله ابن القيم في الزاد (٢/ ١٦٠)، والشاهد منه قوله:«فلو قدِّر التعارض، فالأكثرون أولى بالصواب، فيا لله العجب! كيف يكون تغليط أعلم الناس بحديثها وهو عروة في قوله عنها: وكنت فيمن أهل بعمرة؛ سائغاً بلفظ مجمل محتمل، ويقضى به على النص الصحيح الصريح الذي شهد له سياق القصة من وجوه متعددة قد تقدم ذكر بعضها؟ فهؤلاء أربعة رووا عنها؛ أنها أهلت بعمرة: جابر، وعروة، وطاووس، ومجاهد، فلو كانت رواية القاسم وعمرة والأسود، معارضة لرواية هؤلاء لكانت روايتهم أولى بالتقديم لكثرتهم، ولأن فيهم جابراً، ولفضل عروة وعلمه بحديث خالته ﵂».
ثم أسند ابن عبد البر حديث حاتم بن إسماعيل، عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج في أشهر الحج وأيام الحج، حتى قدمنا سرف، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه:«من لم يكن منكم ساق هدياً فأحب أن يحل من حجه بعمرة فليفعل»، قالت عائشة: فالآخذ بذلك من أصحابه والتارك، … قالت: فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، وقد أهللت بالحج، فقال:«ما يبكيك؟»، فقلت: حرمت العمرة، لست أصلي، قال: إنما أنت امرأة من بنات آدم، كتب الله عليك ما كتب عليهن، فكوني على حجك، وعسى الله أن يرزقَكِها»، ثم قال ابن عبد البر:«ألا ترى إلى قولها في هذا الحديث: وقد أهللت بالحج، وقوله: فكوني على حجك»، وقولها في حديث حماد بن سلمة: لبينا بالحج في أشهر الحج، فهذه الألفاظ مع ما تقدم من قولها في رواية الحفاظ أيضاً: خرجنا لا نرى إلا الحج؛ دليل على أنها لم تكن معتمرة، ولا مهلة بعمرة، كما زعم عروة، والله أعلم؛ فإذا لم تكن كذلك فكيف يأمرها رسول الله ﷺ برفض عمرة، وهي محرمة بحجة، لا بعمرة، قال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمع هؤلاء،