في ذلك كله لم تترك عمرتها ولم تخرج منها، بل كانت قارنة، بدليل ما رواه وهيب بن خالد: حدثنا عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن عائشة ﵂؛ أنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر:«يسعك طوافك لحجك وعمرتك»؛ فأبت، فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج. [أخرجه مسلم (١٣٢/ ١٢١١)، ويأتي تخريجه في موضعه إن شاء الله تعالى]، ولما رواه الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، وفيه: فقال لها النبي ﷺ: «إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي، ثم أهلي بالحج»، ففعلت ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال:«قد حللت من حجك وعمرتك جميعا» [أخرجه مسلم (١٣٦/ ١٢١٣)، وأبو داود (١٧٨٥)]. وسيأتي تخريجه في موضعه من السنن إن شاء الله؛ فدل ذلك على أنها أدخلت الحج على العمرة، فصارت قارنة، وفي هذا تصريح بأن عمرتها باقية صحيحة مجزئة، وأنها لم تلغها ولم تخرج منها، فيتعين تأويل: ارفضي عمرتك، ودعي عمرتك، على ما ذكرناه من رفض العمل فيها وإتمام أفعالها، وأنها كانت متمتعة بعمرة مهلة بها، وقد سبق بيان ذلك مرارا، والله أعلم.
ومما يزيد هذا إيضاحا: ما جاء في رواية الجماعة عن أفلح: وكان مع رسول الله ﷺ ومع ناس من أصحابه الهدي فلم تكن لهم عمرة؛ أرادت لم تكن لهم عمرة مستقلة بأعمالها، يدل على ذلك قولها في رواية مالك: وأما الذي أهلوا بالحج، أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا، وفي رواية أبي الأسود: فلم يحلوا حتى كان يوم النحر.
وما جاء أيضا في رواية الجماعة عن أفلح: فمنعت العمرة، يعني: أنها لن تستطيع المضي في العمرة التي أهلت بها؛ لأن الحيضة جاءتها وهم بسرف على مشارف مكة.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٤/ ٣٦٣): وأما قولها: فأهللنا بعمرة، فإن عروة قد خولف في ذلك عنها، لم يخالفه عندي من هو حجة عليه لأن عروة أحفظ أصحاب عائشة.
ومن أهل بعمرة في أشهر الحج وهو يريد الحج في عامه فهو متمتع بإجماع إذا حج. ومعلوم أن خروجهم كان في ذي القعدة، وهو من شهور الحج، وحجوا في عامهم، فدل على أنه كان منهم المتمتع بالعمرة إلى الحج، ومنهم المنفرد بالحج، ومنهم من قرن العمرة مع الحج. وهذا ما لا خلاف فيه من أهل الآثار وعلماء الأمصار.
وكذلك أجمعوا أن ذلك سنة معمول بها، إلا أنهم اختلفوا في الأفضل منها، وفيما كان رسول الله ﷺ محرما به في خاصة نفسه يومئذ.
وأما قولها: ثم قال رسول الله ﷺ: «من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منها جميعا».
وفيه أدل دليل على أن رسول الله ﷺ كان في حجته قارنًا؛ فإنه لا خلاف أنه كان