موسى، وأيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر، أربعتهم، عن نافع، أن ابن عمر أتى ذا الحليفة فأهل بعمرة، فخشي أن يصد عن البيت، فذكر تمام الحديث من إدخاله الحج على العمرة وصيرورته قارناً.
والمقصود أن بعض الرواة لما سمع قول ابن عمر: إذا أصنع كما صنع رسول الله ﷺ، وقوله: كذلك فعل رسول الله ﷺ، اعتقد أن رسول الله ﷺ بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج فأدخله عليها قبل الطواف، فرواه بمعنى ما فهم، ولم يرد ابن عمر ذلك وإنما أراد ما ذكرناه، والله أعلم بالصواب، ثم بتقدير أن يكون أهل بالعمرة أولاً ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف، فإنه يصير قارناً لا متمتعاً التمتع الخاص، فيكون فيه دلالة لمن ذهب إلى أفضلية التمتع، والله تعالى أعلم. [وانظر: نخب الأفكار للعيني (٩/ ١٧٩)].
وأحب أن أنبه هنا إلى أنه قد اختلفت آراء الناظرين في النصوص من القرآن والسنة النبوية الصحيحة بسبب وقوفهم عند دلالات الألفاظ المستقرة في أذهانهم، دون إعمالها داخل إطار السياق الذي جاءت فيه، وهي الدلالة التركيبية، فالمعنى الإفرادي للفظ قد يقود إلى معنى مغلوط، بينما المعنى الإجمالي التركيبي يؤدي إلى الفهم الصحيح للنصوص، ولعل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية قد أوضح ذلك حين قال:«فقد تبين أن من قال: أفرد الحج؛ فإن ادعى أنه اعتمر بعد الحج، كما يظنه بعض المتفقهة فهذا مخطئ باتفاق العلماء. ومن قال: إنه أفرد الحج؛ بمعنى أنه لم يأت مع حجته بعمرة، فهذا قد اعتقده بعض العلماء، وهو غلط، ولم يثبت ذلك عن أحد من الصحابة. ومن قال: إنه أحرم إحراماً مطلقاً، فقوله غلط، لم ينقل عن أحد من الصحابة. ومن قال: إنه تمتع، بمعنى أنه لم يحرم بالحج حتى طاف وسعى، فقوله أيضاً غلط، لم ينقل عن أحد من الصحابة. ومن قال: إنه تمتع بمعنى أنه حل من إحرامه، فهو أيضاً مخطئ باتفاق العلماء العارفين بالأحاديث. ومن قال: إنه قرن بمعنى أنه طاف طوافين وسعى سعيين، فقد غلط أيضاً، ولم ينقل ذلك أحد من الصحابة عن النبي ﷺ. فالغلط في هذا الباب وقع ممن دون الصحابة، فلم يفهموا كلامهم، وأما الصحابة فنقولهم متفقة.
ومما يبين أنه لم يطف طوافين ولا سعى سعيين، لا هو ولا أصحابه: ما في الصحيحين: عن عروة، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: «من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً»، وقالت فيه: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً» [مجموع الفتاوى (٢٦/ ٧٤)].
وقال أيضاً (٢٦/ ١٠٤): «والعمرة الرابعة مع حجته؛ فإنه قرن بين العمرة والحج باتفاق أهل المعرفة بسنته، وباتفاق الصحابة على ذلك، ولم يُنقل عن أحد من الصحابة أنه تمتع تمتعاً حلّ فيه، بل كانوا يسمون القرآن تمتعاً، ولا نُقل عن أحد من الصحابة أنه لما قرن طاف طوافين وسعى سعيين.