ولابن كثير في فهم حديث عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة، وحديث عقيل عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، كلام طويل نسوقه لبيان اختلاف العلماء في فهم هذه الأحاديث المشكلة، وقد سبق توجيهه في موضعه:
قال ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ٤٤٩): «وهذا الحديث من المشكلات على كل من الأقوال الثلاثة: أما قول الإفراد: ففي هذا إثبات عمرة إما قبل الحج أو معه، وأما على قول التمتع الخاص: فلأنه ذكر أنه لم يحل من إحرامه بعدما طاف بالصفا والمروة، وليس هذا شأن المتمتع، ومن زعم أنه إنما منعه من التحلل سوق الهدي كما قد يفهم من حديث ابن عمر عن حفصة؛ أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة، ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: «إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر»؛ فقولهم بعيد؛ لأن الأحاديث الواردة في إثبات القران ترد هذا القول وتأبى كونه ﵊ إنما أهل أولا بعمرة ثم بعد سعيه بالصفا والمروة أهل بالحج، فإن هذا على هذه الصفة لم ينقله أحد بإسناد صحيح، بل ولا حسن ولا ضعيف.
وقوله في هذا الحديث: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج؛ إن أريد بذلك التمتع الخاص، وهو الذي يحل منه بعد السعي، فليس كذلك، فإن في سياق الحديث ما يرده، ثم في إثبات العمرة المقارنة لحجه ﵊ ما يأباه، وإن أريد به التمتع العام دخل فيه القران، وهو المراد. وقوله: وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، إن أريد به بدأ بلفظ العمرة على لفظ الحج بأن قال: لبيك اللهم عمرة وحجا، فهذا سهل ولا ينافي القران، وإن أريد به أنه أهل بالعمرة أولا، ثم أدخل عليها الحج بتراخ، ولكن قبل الطواف، قد صار قارنا أيضا، وإن أريد به أنه أهل بالعمرة، ثم فرغ من أفعالها تحلل أو لم يتحلل بسوق الهدي - كما زعمه زاعمون - ولكنه أهل بحج بعد قضاء مناسك العمرة وقبل خروجه إلى منى، فهذا لم ينقله أحد من الصحابة كما قدمنا، ومن ادعاه من الناس فقوله مردود؛ لعدم نقله، ومخالفته الأحاديث الواردة في إثبات القران كما سيأتي، بل والأحاديث الواردة في الإفراد كما سبق، والله أعلم».
ثم قال ابن كثير (٧/ ٤٥٠): «والظاهر - والله أعلم - أن حديث الليث هذا عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر؛ مروي من الطريق الأخرى عن ابن عمر حين أراد الحج زمن محاصرة الحجاج لابن الزبير؛ فقيل له: إن الناس كائن بينهم شيء، فلو أخرت الحج عامك هذا؟ فقال: إذن أفعل كما فعل النبي ﷺ، يعني: زمن حصر عام الحديبية، فأحرم بعمرة من ذي الحليفة، ثم لما علا شرف البيداء، قال: ما أرى أمرهما إلا واحدا، فأهل بحج معها، فاعتقد الراوي أن رسول الله ﷺ هكذا فعل سواء، بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فرووه كذلك، وفيه نظر؛ لما سنبينه.
وبيان هذا في الحديث الذي رواه عبد الله بن وهب: أخبرني مالك بن أنس وغيره، أن نافعا حدثهم؛ أن عبد الله بن عمر خرج في الفتنة معتمرا، وقال: إن صددت عن البيت