لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، ومذهب مالك والشافعي وموافقيهما: أنه إذا طاف وسعى وحلق؛ حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال، سواء كان ساق هديا أم لا. واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تحلل من نسكه، فوجب أن يحل له كل شيء، كما لو تحلل المحرم بالحج، وأجابوا عن هذه الرواية: بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها والتي ذكرها قبلها عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ:«من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا»، فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية التي احتج بها أبو حنيفة، وتقديرها ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهلل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه، ولابد من هذا التأويل لأن القضية واحدة والراوي واحد؛ فيتعين الجمع بين الروايتين على ما ذكرناه، والله أعلم».
وقال النووي في المجموع (٧/ ١٨١): « … فإن قيل: فقد ثبت في صحيح مسلم، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة، حتى قدمنا مكة، فقال رسول الله ﷺ: «من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يتحلل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحجة فليتم حجه»؟
فالجواب: أن هذه الرواية مختصرة من روايتين ذكرهما مسلم قبل هذه الرواية وبعدها، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ:«من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا»، فهذه الرواية مفسرة للأولى، ويتعين هذا التأويل لأن القصة واحدة؛ فصحت الروايات».
قلت: أما قوله ﷺ: «من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا»، إنما كان قبل دخول مكة، إما عند إحرامهم، وإما قالها بسرف قبل دخول مكة؛ وهو الأقرب، وكان بالميقات قبل ذلك قد خيرهم في الأنساك الثلاثة، كما في حديث ابن عيينة عن الزهري، حيث قال:«من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل»، ثم أمر بعد ذلك من كان معه هدي بالقرآن، وألا يحل حتى ينحر هديه، ولكن لم يسمع ذلك جميع الصحابة؛ فبقي بعضهم على حاله التي أحرم عليها، فلما قدم مكة وطافوا وسعوا؛ أمرهم بالفسخ، فقال:«من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج فليتم حجه»، فأمر من لم يهد بالتحلل، وأما من أهل بعمرة ممن ساق الهدي فأوجب عليه أن يدخل الحج على العمرة فيصير قارنا ثم لا يحل حتى ينحر هديه يوم النحر، وأما من ساق الهدي ممن أهل بالحج مفردا، أو كان قارنا فجمع بين الحج والعمرة، فليتم حجه، ولا يحل حتى ينحر هديه، وبذا تأتلف النصوص، ويزول الإشكال والتعارض بين روايات حديث عائشة، والله أعلم.