ولا يحتمل من مالك هذه الزيادة التي انفرد بها، وهو من هو في الضبط والإتقان، والمنزلة العليا في أصحاب الزهري؟!
قال ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢٠٥): «مالك أحسن الناس سياقة لهذا الحديث عن ابن شهاب، وفي حديثه معانٍ قصَّر عنها غيره، وكان أثبت الناس في ابن شهاب ﵀». وقال أيضاً (٥/ ٥٣٣ - ط الفرقان)(٨/ ٢٣١): فإن قيل: إن من روى هذا الحديث عن ابن شهاب لم يذكر هذا فيه من قول عائشة، قيل له: إن تقصير من قصر عنه ليس بحجة على من حفظه، ومالك: أثبت الناس عند الناس في ابن شهاب، وقد ذكره مالك، وحسبك به.
وممن صحح حديث مالك بهذه الزيادة أبو المظفر السمعاني في الاصطلام (١/ ٦٦٤).
وأما قول شيخ الإسلام ابن تيمية:«فإن المحققين من أهل الحديث يعلمون أن هذه الزيادة في حديث عائشة هي من كلام الزهري، ليست من قول عائشة، فلا تعارض الحديث الصحيح» [المجموع (٢٦/٤١)].
وقال في موضع آخر (٢٦/ ١٣٩): «وقد روي في حديث عائشة أنهم طافوا مرتين، لكن هذه الزيادة قيل: إنها من قول الزهري، لا من قول عائشة، وقد احتج بها بعضهم على أنه يستحب طوافان بالبيت، وهذا ضعيف».
قلت: لم أقف على كلام أحد من المحققين قال بهذا، بل إنه قد تناقض حيث أثبت صحته في موضع آخر، فقال:«فقد أخبرت عائشة في الحديث الصحيح: أن الذين قرنوا لم يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة إلا الطواف الأول الذي طافه المتمتعون أولاً» [المجموع (٢٦/ ٧٦)].
واحتج به أيضاً في موضع آخر، فقال:«ومما يبين أنه لم يطف طوافين ولا سعى سعيين، لا هو ولا أصحابه ما في الصحيحين: عن عروة، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: «من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً»، وقالت فيه فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً» [مجموع الفتاوى (٢٦/ ٧٤)].
وقد رد ابن القيم في الزاد (٢/ ٢٧٣) على من أعل هذه الزيادة، وادعى بأنها ليست من قول عائشة، فقال:«وهذا لا يتبين»، ولم يقض فيه بشيء، وقال في بيان معنى الطواف المذكور في كلام عائشة أنه السعي بين الصفا والمروة، وهذا هو الصواب، ومن رآه الطواف بالبيت فقد أشكل عليه فهم كلام عائشة، قال ابن القيم: «فالصواب: أن الطواف الذي أخبرت به عائشة، وفرقت به بين المتمتع والقارن هو الطواف بين الصفا والمروة، لا الطواف بالبيت، وزال الإشكال جملة، فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد