ولعل أحمد إنما استنكره لمخالفته للأحاديث في أن القارن يطوف طوافا واحدا».
قلت: هكذا غلط ابن رجب في نقل القول المنسوب لعائشة، والذي تفرد به مالك، وإنما جاء في الرواية:
قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين جمعوا الحج والعمرة؛ فإنما طافوا طوافا واحدا.
وفي الرواية الأخرى: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم.
وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا بين الحج والعمرة؛ فإنما طافوا طوافا واحدا.
وبون شاسع بين ما ادعاه ابن رجب على مالك، وبين ما ثبت في الموطآت!
فإن كان ابن رجب قد غلط في النقل من الكتاب المحفوظ عن الإمام مالك، أفلا يغلط على الإمام أحمد في نقل لم يعرف إلا من طريقه ولا سبيل لنا للتحقق من صحته، ومعرفة ناقله عن الإمام أحمد؛ وإنما الثابت في هذا عن الإمام الناقد: ما رواه صاحبه وتلميذه وملازمه: الحافظ الثبت الكبير الإمام أبو داود السجستاني.
وأحمد لم ينكر على مالك، وإنما اكتفى بالإشارة إلى تفرد مالك به؛ ثم قبل زيادته بقوله: «ومالك ثقة»، يعني: ومن مثل مالك في الحفظ والضبط والإتقان والاحتياط الزائد حتى لا يقبل قوله؟ بل وكيف لا نحتمل زيادته؟ والله المستعان على ما تصفون!
وبذا يأتلف قول أحمد، مع إخراج مالك لهذا الحديث في موطئه مصححا إياه، ثم اتفاق البخاري ومسلم على تصحيح حديث مالك بهذه الزيادة، والله أعلم.
هـ ثم يقال: ألم يختلف سياق أصحاب الزهري في سياق هذا الحديث؟
فمنهم من ذكر نحو حديث مالك بدون الزيادة التي في آخره فيما يتعلق بطواف المتمتع والقارن، والمفرد وهم: معمر وإبراهيم بن سعد، وقد تابعاه على الحديث في الجملة ما بين إتمام واختصار مع ذكر قصة عائشة في شأن إحرامها وحيضها وأمرها بالقران ثم اعتمارها من التنعيم، ومنهم أسقط ذكر الكلام الأول عند الإحرام قبل قدوم مكة، وزاد الأمر بالفسخ لمن لم يسق الهدي بعد قدوم مكة، مع ذكر قصة عائشة، وهو: عقيل بن خالد، ومنهم من اختصر الحديث كله، فلم يذكر منه سوى الأمر بالفسخ لمن لم يسق الهدي بعد قدوم مكة، وهو: يونس بن يزيد، ومنهم من اختصر الحديث ولم يذكر منه سوى ما قيل في أول الأمر بعد الإحرام قبل دخول مكة، وانفرد بسياقه، وهو: سفيان بن عيينة، وقال فيه: «من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل»، ومنهم من جمع بين هذا اللفظ وبين لفظ الجماعة في قصة إهلال عائشة وعمرتها من التنعيم، وهو: ابن أبي ذئب.
فلماذا يحتمل من عقيل ويونس وابن عيينة وابن أبي ذئب ما انفردوا به عن الجماعة،