وفي هذا التصرف من مسلم بيان أن حديث عقيل وابن عيينة لا يخالفان فيه حديث مالك ومعمر، وإنما هو من باب زيادة بعض الرواة على بعض، فمنهم من يختصر، ومنهم من يروي بالمعنى، ومنهم من يقتصر على بعض ما سمع، والله أعلم.
السادس: ثم يقال بأن ابن القيم قد خالف شيخه ابن تيمية في هذا الحديث، فقد قال شيخ الإسلام ضمن كلام طويل في بيان أن النبي ﷺ إنما كان قارناً في حجته (٢٦/ ٧١): «وفي الصحيحين من حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر، قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، … »، وساق الحديث بتمامه، ثم قال:«قال الزهري: وحدثني عروة، عن عائشة، مثل حديث سالم عن أبيه. فهذا أصح حديث على وجه الأرض، وهو من حديث الزهري؛ أعلم أهل زمانه بالسنة، عن سالم عن ابن عمر، وهو أصح من حديث ابن عمر [يعني: في إفراد الحج]، ومن حديث عروة عن عائشة، وهو أصح من حديث عائشة [يعني: فيمن روى عنها إفراد الحج]»، … إلى أن قال: فتعين أن يكون قرن بين العمرة والحج، … ، وكذلك أخبرت أن الذين جمعوا الحج والعمرة إنما طافوا طوافاً واحداً، … ، وحديث عائشة وابن عمر؛ أنه تمتع بالعمرة إلى الحج: أصح من حديثهما أنه أفرد الحج، وما صح عنهما من ذلك فمعناه: إفراد أعمال الحج، … ، ثم أفاض في الاستدلال على أنه كان قارناً، إلى أن قال:«وثبت أن ابن عمر وعائشة نقلا عنه أنه اعتمر مع الحج، وهذا هو التمتع العام الذي يدخل فيه القرآن، وهو الموجب للهدي، فتبين أن الروايات الكثيرة الثابتة عن ابن عمر وعائشة توافق ما فعله … سائر الصحابة أنه كان متمتعاً التمتع العام».
وقال أيضاً (٢٦/ ١٠٤): «وعامة المنقول عن الصحابة في صفة حجته ليست بمختلفة، وإنما اشتبهت على من لم يعرف مرادهم، وجميع الصحابة الذين نقل عنهم أنه أفرد الحج: كعائشة وابن عمر وجابر، قالوا: إنه تمتع بالعمرة إلى الحج، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة وابن عمر بإسناد أصح من إسناد الإفراد، ومرادهم بالتمتع القرآن كما ثبت ذلك في الصحاح أيضاً».
وقال ابن تيمية أيضاً في شرح العمدة (٤/ ٢٩٧): «وأما قوله ﵇: «ومن أهل بالحج فليتم حجه»؛ فيحتمل شيئين:
أحدهما: من استمر إهلاله بالحج، ولم يُحوّله إلى عمرة، فإنه لا يتحلل منه، وكان هذا في حق من ساق الهدي ممن أحرم بالحج، وكذلك قوله في الحديث:«وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة، فلم يحلوا حتى كان يوم النحر»، إن لم يكن هذا من قول عروة وكان من قول عائشة، فإن معناه من دام إهلاله بالحج، أو بالحج والعمرة واستمروا، هم الذين لم يحلوا لأجل سوق الهدي؛ لأنها قد أخبرت في غير موضع أنهم كانوا لا يرون إلا الحج، وأن رسول الله ﷺ أمر من لم يَسُقِ الهدي إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلّ.