ويجب رد المشكل إلى المحكم، في أصل الرواية، فيزول بذلك الإشكال، والعمدة على ما رواه الثقات الحفاظ ورواة الموطأ في الرواية المطولة، والله أعلم.
* ورواه جويرية بن أسماء [بصري، ثقة]، عن مالك، عن الزهري: أن الذين جمعوا … ، ليس فيه عروة ولا عائشة.
علقه أبو داود [عزاه إليه: أبو العباس الداني في الإيماء إلى أطراف الموطأ (٤/١٢)، قال:«وقال أبو داود: رأيته في كتاب: جويرية، عن مالك، عن الزهري: أن الذين جمعوا … ، ليس فيه عروة ولا عائشة. يعني: أنه من قول الزهري، غير مروي عنهما»] [وانظر: حاشية طبعة التأصيل (٣/ ٥٥٣/ ١٧٧٥)].
قلت: هذا الكلام لا يثبت من كلام أبي داود في النسخ المروية عنه، إنما قال أبو عيسى الرملي:«رأيت في كتاب بعض أصحابنا: قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: لم يرو هذا الكلام إلا مالك، وهو ثقة، يعني: قوله: وأما الذين جمعوا. قال أبو داود: رأيته في كتاب: جويرية، عن مالك، عن الزهري: أما الذين جمعوا … إلى آخره، ليس فيه عروة ولا عائشة» [حاشية طبعة التأصيل (٣/ ٥٥٣/ ١٧٧٥)].
ومما يدل على غرابة هذا النقل عن أبي داود: ما قاله ابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٥٠٢ - ط الفرقان): «وقال أبو داود في بعض النسخ بإثر حديث مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قال: وكذلك رواه إبراهيم بن سعد، ومعمر، عن ابن شهاب نحوه، ولم يذكرا طواف الذين أهلوا بالعمرة، وذكرا [كذا، والصواب: ولا] طواف الذين جمعوا الحج والعمرة».
قلت: فلا يوثق بمثل هذا النقل، فلا هو منقول في النسخ المعتمدة لسنن أبي داود، وقد أحال فيه الرملي على جهالة، فليس له فيه إسناد متصل إلى أبي داود، ثم إن أبا داود نفسه ليس فيه إسناد متصل إلى جويرية، إنما رآه في كتاب، ولا يدرى هل كان الكتاب محفوظا عن الزيادة والنقصان أم لا؟ ثم إن هذا المرسل لم يصل إلينا بإسناد يعتمد عليه؛ لكي يقال قد اختلف على مالك في وصله وإرساله، فكيف وقد اتفق رواة الموطأ جميعا مع جمع من الحفاظ الأثبات على وصله عن مالك، ولم يذكر ابن عبد البر فيه اختلافا على مالك في وصله وإرساله، وهو ممن اعتنى بجمع مرويات الموطأ، وممن وقفت عليه ممن رواه عن مالك موصولا: الشافعي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وعبد الرحمن بن القاسم، وأبو مصعب الزهري، وبشر بن عمر الزهراني، وعبد الله بن وهب، وقتيبة بن سعيد، وروح بن عبادة، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وأشهب بن عبد العزيز، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ومصعب بن عبد الله الزبيري، ومحمد بن جعفر غندر، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، ويحيى بن يحيى الليثي، وموسى بن داود الضبي، وإبراهيم بن عمر بن أبي الوزير، وأبو سعيد مولى بني هاشم [وهم ثقات]، وفيهم جماعة من أثبت أصحاب مالك،