مالك، وذكر البخاري في موضع من كتابه: عن القعنبي، عن مالك، وفي موضع آخر: عن عبد الله بن يوسف التنيسي، عن مالك، ورواية القعنبي أتم، وليس في شيء منها ما ذكره يحيى أيضاً من قول عائشة: وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة؛ فإنما طافوا طوافاً واحداً. وإنما في روايتهم كلهم: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة؛ فإنما طافوا طوافاً واحداً، ولم يذكروا الذين أهلوا بالحج. وذكره يحيى بالإسناد الذي ذكرنا، ثم عطف عليه ما وصفنا.
قلت: أما الإسناد الذي تفرد به يحيى الليثي عن مالك، فجعله من حديث: عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة؛ فهو وهم من يحيى، لم يتابع عليه.
• وأما زيادة:«وأما الذين أهلوا بالحج»؛ فقد رواه بالوجهين جميعاً: ابن القاسم، وابن بكير، وابن أبي أويس، وسويد الحدثاني، وتابعهم على هذا اللفظ: الإمام الشافعي الحافظ المتقن، وأبو مصعب الزهري، ويحيى الليثي.
وهذا مما يدل على كون هذه الزيادة محفوظة عن مالك، وهي ثابتة عنه برواية الحفاظ، وبرواية أصحاب الموطات المشهورة، بل في الموطأ الواحد جاءت الروايتان، مثل موطأ ابن القاسم، وموطأ الحدثاني.
قال البيهقي في المعرفة (٧/ ٢٧١): «ولفظ: «الذين أهلوا بالحج» سقط من بعض الروايات عن مالك، فقالوا:«وأما الذين كانوا جمعوا بين الحج والعمرة»، وقد حفظهما جميعاً: الشافعي، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وغيرهما، عن مالك».
• ثم قال ابن عبد البر (٨/ ٢٠٣): وقال أبو داود في بعض النسخ بإثر حديث مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قال: وكذلك رواه إبراهيم بن سعد ومعمر عن ابن شهاب نحوه، ولم يذكرا طواف الذين أهلوا بالعمرة، وذكرا [كذا، والصواب: ولا] طواف الذين جمعوا الحج والعمرة [يعني: لم يذكرا طواف المتمتعين، ولا طواف القارنين].
قلت: لا يضر ذلك مالكاً؛ فإنه حجة بنفسه فيما يرويه عن الزهري، وسيأتي تفصيل ذلك، إن شاء الله تعالى.
ثم ساق ابن عبد البر رواية عبد الرزاق، وقال:«هكذا ذكره عبد الرزاق! لم يذكر فيه طواف الذين أهلوا بعمرة، ولا طواف الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة».
قلت: وهذا تقصير منه، ومن حفظ وضبط حجة على من لم يحفظ.
وكان ابن عبد البر قال قبل ذلك: وهذا شيء لم يتابع يحيى عليه أحد من رواة الموطأ - فيما علمت - ولا غيرهم عن مالك، أعني: إسناد عبد الرحمن بن القاسم في هذا المتن، وإنما رواه أصحاب مالك كلهم - كما ذكرنا -: عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، إلى قوله: وأما الذين كانوا أهلوا بالحج؛ فلم يذكروه، وقالوا: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة.