الثامن: أن ابن حزم هو الذي أقام الحجة على نفسه بإبطال دعواه في الحكم بالنكارة على هذا الحديث المتفق على صحته؛ حيث قال:«وأسلم الوجوه لحديثي أبي الأسود، وحديث يحيى بن عبد الرحمن؛ أن يخرج على أن المراد بقولها: إن الذين أهلوا بحج، أو حج وعمرة لم يحلوا إلى يوم النحر؛ إنما كانوا ممن كان معه هدي، فأهل بهما جميعا، أو أضاف العمرة إلى الحج، كما روى مالك عن الزهري عن عائشة عن النبي ﷺ، فتخرج حينئذ هذه الأخبار سالمة».
قال البيهقي في الصغرى (٢/ ١٩٤) بعد حديث الزهري عن عروة عن عائشة: «إنما أرادت: طافوا طوافا واحدا بين الصفا والمروة، وذلك بين في الحديث الذي ذكرنا، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا؛ طوافه الأول. وإنما أراد: الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة، وهم الذين كان معهم الهدي بدليل حديث عائشة».
التاسع: قول ابن القيم، وكذلك قول ابن أبي العز:«حديثان قد أنكرهما الحفاظ»؛ غير دقيق في النقل، حيث نقل ابن حزم عن الأثرم عن أحمد، أنه قال:«هذا خطأ»، ولا يثبت هذا عن أحمد، ثم تجاوز ابن حزم وشط في الحكم فقال:«فهذان الحديثان منكران جدا»، وتبعه على ذلك ابن القيم، ثم ابن أبي العز، ولم أقف عند التحقيق على قول من أنكر هذا الحديث ورده، بل قبله عامة النقاد، إلا من عارض بأصل مذهبه، فمن هم الحفاظ الذين أنكروا هذا الحديث؟! والله أعلم.
العاشر: أن هذه الجملة فيمن أفرد الحج ولم يحل حتى كان يوم النحر، قد جاءت أيضا من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ ففي بعض الروايات عن مالك: وأما الذين أهلوا بالحج أو جمعوا بين الحج والعمرة؛ فإنما طافوا طوافا واحدا [يأتي تخريجه في الحديث الآتي].
وهذه الرواية تزيد رواية أبي الأسود ثبوتا، وبهذا تطمئن النفس إلى عدم شذوذها، لاسيما مع اتفاق مالك والشيخين على إخراجها، وكلها محمولة على التأويل السابق ذكره فيمن ساق الهدي، والله أعلم.
• فإن قيل: فما تقول في حديث الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ:«من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا»، … الحديث، وهو حديث متفق على صحته؟
فيقال: ليس ببعيد أن تكون هناك طائفة من الصحابة ممن أهدى وأهل بحج مفرد، ولم يبلغه ذلك؛ كمثل ما اختلف الصحابة في كيفية إهلال النبي ﷺ، وفي موضع إهلاله، وفي مسألة الفسخ، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بمسألة الإهلال وحدها.
وتقابل هذه الرواية أيضا: بما رواه عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم؛ أن