أقوال أحمد عند أصحابه، مثل كتب غلام الخلال أبي بكر عبد العزيز، وهو ممن اعتنى أيضاً بالنقل عن الأثرم، ولا في كتب الفقه المصنفة على المذهب، لاسيما كتب ابن قدامة، وهو ممن اعتنى بنقل مسائل الأثرم وغيره عن أحمد.
بل جاء عن أحمد ما يمكن حمله على هذا التأويل، فقد قال أحمد في رواية حنبل؛ في فسخ الحج:«إن شاء جعل حجه عمرةً، وقدم إلى مكة النبي ﷺ الصبيحة رابعة، فجائز له الفسخ لمن أراد سنة النبي ﷺ إذا كان لم يسق الهدي»، فإذا ساق الهدي أقام على إحرامه حتى ينحر الهدي [زاد المسافر (٢/ ٥٤٢/ ١٦٤٣)]، يعني: سواء أكان مفرداً أم قارناً يقيم على إحرامه حتى ينحر؛ طالما أنه ساق الهدي.
الرابع: أن ابن عبد البر ممن يعتني بالنقل عن الأثرم، فلو كان هذا النقل ثابتاً عن الأثرم لما أغفله، بل إنه عقب حديث مالك بقوله في التمهيد (١٣/ ٩٦): «هذا حديث ثابت صحيح».
الخامس: أن ابن قدامة ممن احتج بحديث عروة عن عائشة هذا، ولم ينكره، ولو كان عنده عن الأثرم ثم عن أحمد فيه شيء لما أغفله، حيث قال في المغني (٥/ ٨٢): «وجملة ذلك: أن الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة؛ تمتع، وإفراد، وقران. فالتمتع: أن يهل بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحج، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من عامه. والإفراد: أن يهل بالحج مفرداً. والقران: أن يجمع بينهما في الإحرام بهما، أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف. فأي ذلك أحرم به جاز. قالت عائشة: خرجنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج؛ متفق عليه. فهذا هو التمتع والإفراد والقران»، وقد تبعه على ذلك جماعات.
السادس: ليس هناك ما كان يمنع أن يكون في الصحابة من ساق الهدي، وقد أهل بحج مفرد لاسيما وقد ثبت أن عدداً من الصحابة قد ساق الهدي في حجة الوداع:
فقد روى عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ، ولا نذكر إلا الحج، فلما قدمنا سرِف طمِثتُ، … فذكر الحديث، وفيه: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «اجعلوها عمرة»، فأحلَّ الناس إلا من كان معه الهدي، قالت: فكان الهدي مع النبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وذوي اليسارة، … الحديث.
أخرجه مسلم (١٢٠/ ١٢١١)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٧٥٠).
وروى الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر ﵄، قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى، فساق الهدي، ومنهم من لم يُهد، … الحديث، وفي آخره: فطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكة، واستلم الركن أول شيء، ثم خبَّ ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعاً، فركع حين قضى طوافه