الباب: «باب التمتع والإقران والإفراد بالحج، وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي»؛ فدل ذلك على أن الحديث حجة في بيان الأنساك الثلاثة، ثم هو فيمن قرن أو أفرد الحج وساق الهدي؛ فلم يأمره النبي ﷺ بالفسخ؛ لأجل سوق الهدي؛ بخلاف من لم يسق الهدي، لاسيما من أحرم بعمرة ابتداء من الميقات.
الثاني: أن عامة المصنفين قد أدخلوا هذا الحديث في باب إفراد الحج، ولم أر أحداً منهم احتج به على نفي فسخ الحج.
الثالث: اتفاق مالك والبخاري ومسلم وابن خزيمة والحاكم وغيرهم على تصحيح هذا الحديث؛ فلم يروه معارضاً للأحاديث القاضية بالفسخ، لإمكان تأويله.
الرابع: أن الشافعي قد احتج به في الأم على أن الصحابة قد أتوا في حجة الوداع بالأنساك الثلاثة، وهو محمول كما قلت على من ساق هدياً؛ بخلاف من لم يسق الهدي فأمر بالفسخ.
الخامس: أن ابن خزيمة قد احتج به في صحيحه، وترجم له بقوله: «باب مقام القارن والمفرد بالحج والإحرام إلى يوم النحر»، ولم ير فيه ما يقضي بنفي فسخ الحج.
• وأما علم الصحابة بجواز العمرة في أشهر الحج قبل أن يأمرهم النبي ﷺ بالفسخ بعدما طافوا وسعوا في حجة الوداع، فهو ثابت من غير حديث عروة عن عائشة، فقد روى جابر بن عبد الله، وطاووس، ومجاهد أن عائشة أهلت بعمرة، يعني: من الميقات، وتقدم ذكر ذلك قريباً.
وفي الصحيحين من حديث قتادة عن أنس، قال: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عُمَرٍ كلَّهنَّ في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرةً من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرةً من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته.
أخرجه البخاري (١٧٧٨) و (١٧٧٩) و (١٧٨٠) و (٣٠٦٦) و (٤١٤٨). ومسلم (١٢٥٣).
ويأتي تخريجه في موضعه من السنن برقم (١٩٩٤)، إن شاء الله تعالى.
وفي الصحيح من حديث أبي إسحاق السبيعي، قال: سألت مسروقاً، وعطاء، ومجاهداً، فقالوا: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج.
وقال: سمعت البراء بن عازب ﵄، يقول: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين.
أخرجه البخاري (١٧٨١). [التحفة (١٨٩٥). المسند المصنف (٤/ ٩٣/ ١٩٥٣)] [ويأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في الموضع المشار إليه آنفاً من السنن].
وبهذا يتبين أن النبي ﷺ كان قد مهد للصحابة بجواز الاعتمار في أشهر الحج، قبل حجة الوداع بزمن، في عمرة الحديبية والقضاء والجعرانة، والله أعلم.
• قال ابن حزم في حجة الوداع (٣٤٨) بعد أن ساق حديث أبي الأسود عن عروة