وقالت طائفة: إنما أمرها أن تنقض رأسها وتمتشط؛ لأن المعتمر إذا دخل الحرم حل له كل شيء إلا النساء، كالحاج إذا رمى الجمرة. وقد روي هذا عن عائشة، ولعلها أخذته من روايتها هذه، وهو قول عائشة بنت طلحة، وعطاء. وقد أخذ الإمام أحمد بذلك في رواية الميموني عنه، وهي رواية غريبة عنه.
ووهم الخطابي في هذا الحديث حيث قال: أشبه الأمور: ما ذهب إليه أحمد بن حنبل: وهو أنه فسخ عليها عمرتها؛ لأن مذهبه أن فسخ الحج عام غير خاص.
وهذا وهم على أحمد؛ فإن أحمد يرى جواز فسخ الحج إلى العمرة قبل أن يقف بعرفة، وأما فسخ العمرة إلى الحج فلا يقول به أحمد، وإنما يقوله الكوفيون في الحائض إذا كانت معتمرة وخافت فوات الحج وتأولوا حديث عائشة عليه.
والعجب ممن جوز فسخ العمرة إلى الحج بتأويل محتمل، ومنع من فسخ الحج إلى العمرة، مع تواتر النصوص الصريحة الصحيحة بذلك التي لا تقبل التأويل؛ بمجرد دعوى النسخ أو الاختصاص، ولم يثبت حديث واحد يدل على شيء من ذلك، وسيأتي القول في هذا مستوفى في موضعه من الحج إن شاء الله تعالى».
وقال ابن حجر في الفتح (٣/ ٦١٠): «وأما قوله في هذا الحديث: فقضى الله حجها وعمرتها، ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم: فظاهره أن ذلك من قول عائشة، وكذا أخرجه مسلم وابن ماجه من رواية عبدة بن سليمان، ومسلم من طريق ابن نمير، والإسماعيلي من طريق علي بن مسهر وغيره، لكن قد تقدم الحديث في الحيض من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة إلخ، فقال في آخره قال هشام: ولم يكن في شيء من ذلك إلخ … .»، إلى أن قال:«ووقع في الحديث موضع آخر مدرج، وهو قوله قبل ذلك: فقضى الله حجها وعمرتها، فقد بين أحمد في روايته عن وكيع عن هشام أنه من قول عروة، وبينه مسلم عن أبي كريب عن وكيع بياناً شافياً، … »، إلى أن قال:«قال ابن بطال: قوله: فقضى الله حجها وعمرتها … إلى آخر الحديث ليس من قول عائشة؛ وإنما هو من كلام هشام بن عروة، حدث به هكذا في العراق فوهم فيه».
ثم قال:«فظهر بذلك أن لا دليل فيه لمن قال: إن عائشة لم تكن قارنة، حيث قال: لو كانت قارنة لوجب عليها الهدي للقران وحمل قوله لها: ارفضي عمرتك على ظاهره، لكن طريق الجمع بين مختلف الأحاديث تقتضي ما قررناه، وقد ثبت عن عائشة أن النبي ﷺ ضحى عن نسائه بالبقر كما تقدم، وروى مسلم من حديث جابر: أن النبي ﷺ أهدى عنها، فيحمل على أنه ﷺ أهدى عنها من غير أن يأمرها بذلك ولا أعلمها به»، ثم ساق كلام القرطبي وعياض وابن خزيمة، ثم قال عن تأويل ابن خزيمة:«وهذا تأويل حسن، والله أعلم».
وقال ابن حجر أيضاً (٣/ ٤٢٣): قوله: ولا نرى إلا أنه الحج، ولأبي الأسود عن عروة عنها، كما سيأتي مهلين بالحج، ولمسلم من طريق القاسم عنها: لا نذكر إلا