بحج في عمرتها. قال: وحدثنا هشام، عن الحسن مثله، وعن طاووس مثله، فقال الثوري: لا نقول بهذا ولا نأخذ به، ونأخذ بحديث عائشة، ونقول: عليها لرفض عمرتها دم.
ليس في حديث عروة عن عائشة - وهو الذي أخذ به الثوري -: ذكر دم؛ لا من رواية الزهري، ولا من رواية غيره؛ بل قال فيه هشام بن عروة ولم يكن في شيء من ذلك دم. ذكر ذلك أنس بن عياض وغيره عن هشام بن عروة في حديثه هذا، ومن حجة الثوري ومن قال بقوله في رفض العمرة: قول عائشة لرسول الله ﷺ حينئذ: يا رسول الله يرجع صواحبي بحج وعمرة وأرجع أنا بالحج؟ ولو كانت قارنة قد أدخلت على عمرتها حجاً، لم تقل ذلك، والله أعلم، ولذلك أمر أخاها أن يخرج بها إلى التنعيم فتعتمر منه مكان العمرة التي رفضتها، وهذا القول قد دفعناه فيما مضى من هذا الباب، وإنما يؤخذ هذا اللفظ من حديث القاسم بن محمد عن عائشة، رواه أيمن بن نابل عنه، والقاسم يقول عنها: أنها أهلت بحج لا بعمرة، وليس في حديثه رفض عمرة، وقد يوجد معنى حديث القاسم هذا عن الأسود عن عائشة، والقول في ذلك واحد؛ لأنه يلزم من صحح هذا أن يصحح أنها كانت مهلة بحج مفرد؛ فيبطل عليه أصله في رفض العمرة، وقد روى ابن جريج عن عطاء وأبي الزبير عن عائشة؛ أنها قالت للنبي ﷺ: إني أجد في نفسي من عمرتي أن لم أكن طفت، قال:«فاذهب يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم»، وهذا يدل على أنها كانت قد أدخلت الحج على عمرتها، ولم تطف لذلك إلا طوافاً واحداً، فأحبت أن تطوف طوافين، كما طاف من صواحبها من تمتع وسلم من الحيض حتى طاف بالبيت، والله أعلم.
[وانظر: اختلاف العلماء (٢/ ٦٨ - اختصار الجصاص). الحاوي الكبير للماوردي (٤/٣١ و ٢٣٣). التعليقة الكبيرة لأبي يعلى (٢/ ٨٣). المبسوط للسرخسي (٤/٣٥) و (٣٠/ ١٦١). الاصطلام (٢/ ٣١٢)].
وقال أبو العباس القرطبي في المفهم (٣/ ٣٠٠): «وقوله: «انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة»؛ ظاهر هذا: أنه أمرها بأن ترفض عمرتها، وتخرج منها قبل تمامها. وبهذا الظاهر قال الكوفيون في المرأة تحيض قبل الطواف، وتخشى فوت الحج: أنها ترفض العمرة. وقال الجمهور: إنها تردف الحج، وتكون قارنة. وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة [كذا قال]، وأبو ثور. وقد حمل هذا أصحابنا: على أنه أمرها بالإرداف، لا بنقض العمرة؛ لأن الحج والعمرة لا يتأتى الخروج منهما شرعاً إلا بإتمامهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، واعتذروا عن هذه الألفاظ بتأويلات:
أحدها: أنها كانت مضطرة إلى ذلك، فرخص لها فيها كما رخص لكعب بن عجرة. وثانيها: أن ذلك خاص بها، ولذلك قال مالك: حديث عروة عن عائشة ليس عليه العمل عندنا، قديماً ولا حديثاً.