للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

وثالثها: أن المراد بالنقض والامتشاط: تسريح الشعر لغسل الإهلال بالحج، ولعلها كانت لبدت، ولا يتأتى إيصال الماء إلى البشرة مع التلبيد إلا بحل الضفر وتسريح الشعر.

ويتأيد بما في حديث جابر: أنه قال لها: «فاغتسلي، ثم أهلي بالحج». وقد تركنا من التأويلات ما فيه بعد، واكتفينا بما ذكرناه؛ لأنه أوفقها، والله تعالى أعلم.

فأما قوله: «ودعي العمرة»؛ فمحمول على ترك عملها، لا على رفضها، والخروج منها؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: «وأمسكي» مكان: «ودعي»، وهو ظاهر في استدامتها حكم العمرة التي أحرمت بها، وبدليل قوله : «يسعك طوافك لحجك وعمرتك»؛ وهذا نص على أن حكم عمرتها باق عليها».

وقال أيضاً (٣/ ٣٠٣): وقولها: «فقضى الله حجتنا وعمرتنا، ولم يكن في ذلك هدي، ولا صدقة، ولا صوم»؛ هذا الكلام مشكل على من يقول: إنها كانت معتمرة، أو قارنة؛ لأنها إن كانت معتمرة فقد استباحت مشط رأسها، وإلقاء القمل؛ إن تنزلنا على تأويل من قال: إنها كان بها أذى، وإنها رخص لها كما رخص لكعب بن عجرة، فكانت تلزم الفدية كما نص الله على ذلك. وأما إن كانت قارنة فليلزمها الهدي للقرآن عند جماعة العلماء إلا داود فإنه لا يرى في القران هدياً.

وقد أشكل هذا على أصحابنا؛ حتى قال القاضي أبو الفضل عياض: لم تكن معتمرة ولا قارنة، وإنما كانت أحرمت بالحج، ثم نوت فسخه في عمرة، فلما حاضت ولم يتم لها ذلك رجعت إلى حجها، فلما أكملت حجها اعتمرت عمرة مبتدأة، فلم تكن متمتعة، فلم يجب عليها هدي.

قلت: وكأن القاضي لم يسمع قولها: «وكنت فيمن أهل بعمرة»، وقولها: «ولم أهل إلا بعمرة، ولا قوله لها: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك».

قلت: وهذا الكلام المشكل يهون إشكاله: أنه قد رواه وكيع موقوفاً على هشام بن عروة وأبيه، فقال: قال عروة: إنه قضى الله حجها وعمرتها، قال هشام: ولم يكن في ذلك هدي، ولا صيام، ولا صدقة. وإذا كان الأمر كذلك سهل الانفصال؛ بأن يقال: إن عروة وهشاماً لما لم يبلغهما في ذلك شيء أخبرا عن نفي ذلك في علمهما، ولا يلزم من ذلك انتفاء ذلك الأمر في نفسه، فلعل النبي أهدى عنها، ولم يبلغهما ذلك، وهذا التأويل أيضاً منقدح على تقدير: أن يكون هذا الكلام من قول عائشة. ويؤيده قول جابر: أن النبي أهدى عن عائشة بقرة، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.

ويحتمل أن يكون معنى قولهم: لم يكن في ذلك هدي، ولا صوم، ولا صدقة؛ أي: لم يأمرها بذلك، ولم يكلفها شيئاً من ذلك؛ لأنه نوى أن يقوم به عنها، كما قد فعل على ما رواه جابر وغيره، والله تعالى أعلم».

قلت: سبق تقرير أن ما ورد في الرواية مدرجاً: لم يكن في ذلك هدي، ولا صوم، ولا صدقة؛ إنما هو من قول عروة، أو من قول ابنه هشام، وسبق توجيهه، كما أن

<<  <  ج: ص:  >  >>