للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

عن عائشة، قالت في آخر الخبر، قال - تعني النبي : «اخرجي مع عبد الرحمن إلى التنعيم فأهلي بعمرتك»، ففعلت، ثم لم أُهدِ شيئاً».

وقال الخطابي في أعلام الحديث (٢/ ٨٤٨): «قلت: قوله : «انقضي رأسك، وامتشطي وأهلي بالحج، ودعي العمرة»؛ معناه مشكل جداً، وكان الشافعي يتأوله على أنه إنما أمرها بأن تدع عمل العمرة، وتدخل عليها الحج، فتكون قارنة، لا أن تدع العمرة نفسها، إلا أن قوله: «انقضي رأسك وامتشطي»، لا يشاكل هذه القضية، وقد روى بعض أهل العلم بإسناد له أنه كان مذهبها: أن المعتمر إذا دخل مكة كان له أن يستبيح ما يستبيحه المحرم إذا رمى جمرة العقبة، وهذا شيء لم يُحكَ عن أحد سواها، ولا يكاد يُعلم وجهه، وكان الشافعي يتأول أيضاً أن عمرتها من التنعيم غير واجبة، لدخولها في عقد الإحرام بالحج، وإنما أراد النبي تطييب نفسها بذلك، حين قالت له: ما بال نسائك ينصرفن بعمرة، وأنصرف بلا عمرة؟، وظاهر قوله : «دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي»، ثم قوله لها: «هذه مكان عمرتك»، يوهن ما تأوله الشافعي، والأمر في ذلك مشكل جداً، إلا أن يتأوله متأول على الترخيص في فسخ العمرة، كما أذن لأصحابه في فسخ الحج، والله أعلم».

قلت: سبق الرد على هذا، وأن المراد أنها أرادت أن تعتمر عمرة مفردة بأعمالها أسوة بأمهات المؤمنين، فقامت عمرة التنعيم مقام ما أرادت، والله أعلم.

وقال الخطابي في المعالم (٢/ ١٦٣): «وقوله: «ارفضي عمرتك»؛ اختلف الناس في معناه، فقال بعضهم: اتركيها وأخريها على القضاء. وقال الشافعي: إنما أمرها أن تترك العمل للعمرة من الطواف والسعي؛ لا أنها تترك العمرة أصلاً، وإنما أمرها أن تدخل الحج على العمرة فتكون قارنة.

قلت: وعلى هذا المذهب تكون عمرتها من التنعيم تطوعاً؛ لا عن واجب، ولكن أراد أن تطيب بنفسها فأعمرها، وكانت قد سألته ذلك، وقد روي ما يشبه هذا المعنى في حديث جابر».

وقال ابن حزم في المحلى (٥/ ١٨٦): «واعترض في الآثار المذكورة عن عائشة أم المؤمنين بما روي في ذلك الخبر من قول النبي : «ارفضي العمرة»، و «دعي العمرة»، و «اتركي العمرة، وامتشطي، وانقضي رأسك، وأهلي بالحج»، وأوهم هذا المكابر بهذه الألفاظ: أنها أحلت من العمرة؛ وهذا باطل؛ لأن معنى: ارفضي العمرة، ودعي العمرة، واتركي العمرة، وأهلي بالحج: أن تدع الطواف الذي هو عمل العمرة وتتركه، وترفض عمل العمرة من أجل حيضها، وتدخل حجاً على عمرتها، فتكون قارنة، فإذا طهرت طافت بالبيت حينئذ للعمرة وللحج».

وأما نقض الرأس والامتشاط؛ فلا يكره ذلك في الإحرام؛ بل هو مباح مطلق، برهان ذلك: قول رسول الله لها حينئذ: «طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة

<<  <  ج: ص:  >  >>