للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

• وقال ابن خزيمة (٤/ ٢٤٣) (٤/ ٤١٩ - ط الميمان) (٣/ ٣٦٨ - ط التأصيل): «قد كنت زماناً يتخالج في نفسي من هذه اللفظة التي في خبر عائشة، وقول النبي لها: «انقضي رأسك وامتشطي»، وكنت أفرق أن يكون في أمر النبي لها بذلك دلالة على صحة مذهب من خالفنا في هذه المسألة، وزعم أن النبي أمر عائشة برفض العمرة، ثم وجدت الدليل على صحة مذهبنا، وذلك أن عائشة كانت ترى أن المعتمر إذا دخل الحرم حلُّ له جميع ما يحلُّ للحاج إذا رمى جمرة العقبة، وكان يحلُّ لعائشة بعد دخولها الحرم نقض رأسها والامتشاط:

حدثنا بالخبر الذي ذكرت: عبد الجبار: ثنا سفيان؛ سمعه ابن جريج، من يوسف بن ماهك، يخبر عن عائشة بنت طلحة؛ أن عائشة أمرتها أن تنقض شعرها وتغسله، وقالت: إن المعتمر إذا دخل الحرم، فهو بمنزلة الحاج إذا رمى جمرة العقبة.

قال أبو بكر: قال الشافعي: إنما أمرها رسول الله أن تترك العمل بعمرة من الطواف والسعي؛ لا أن ترفض العمرة، وأمرها أن تهل بالحج، فتصير قارنة. وهذا عند الشافعي كفعل ابن عمر حين أهل بعمرة، ثم قال: ما أرى سبيلهما إلا واحداً، أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرتي، فقرن الحج إلى العمرة قبل أن يطوف للعمرة ويسعى لها؛ فصار قارناً، ومعنى قول النبي لها: هذه مكان العمرة التي لم يمكنك العمل لها».

قلت: خبر عائشة بنت طلحة عن عائشة، موقوف على عائشة بإسناد صحيح، لكنه فهم فهمته عائشة مما وقع لها مع النبي في حجة الوداع، ولا يلزم منه أن يكون صحيحاً في نفس الأمر، والأمر المجتمع عليه من أئمة الحديث والفقه أن النبي لما أمرها بنقض الرأس والامتشاط والاغتسال والإهلال بالحج إنما كان تنشيطاً لها لكي تستعد لأعمال الحج والوقوف بعرفة، وكان ذلك إدخالاً للحج على العمرة، لتصير قارنة، ولم يكن ذلك تحللاً من العمرة، كمثل تحلل الحاج برمي جمرة العقبة يوم النحر، والله أعلم.

وقال أيضاً (٤/ ٣٣٩): «قد كنت بينت في المسألة التي كنت أمليتها في التأليف بين الأخبار التي رويت في حجة النبي : أن عائشة إنما تركت العمل لعمرتها التي لم يمكنها الطواف لها بالبيت لعلة الحيضة التي حاضتها؛ لا أنها رفضت تلك العمرة، وبينت في ذلك الموضع أن في قول النبي لها: «طوافك يكفيك لحجتك وعمرتك»، دلالة على أنها لم ترفض عمرتها، وإنما تركت العمل لها إذ كانت حائضاً، ولم يمكنها الطواف لها، وبينت أن قوله: ولم يكن في شيء في ذلك هدي، ولا صدقة، ولا صيام؛ أنها أرادت: لم يكن في عمرتي التي اعتمرتها بعد الحج هدي ولا صدقة ولا صيام، والدليل على صحة هذا التأويل: أن النبي قد نحر عن نسائه البقر، قبل أن تعتمر عائشة هذه العمرة من التنعيم، ألم تسمع قولها: فلما كان يوم النحر أدخل علينا بلحم بقر، فقلنا ما هذا؟ فقيل: نحر النبي عن نسائه البقر. فقد خبّرت عائشة أنه قد كان في حجها هدي قبل أن تعتمر من التنعيم، وفي خبر محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن هشام بن عروة، عن أبيه،

<<  <  ج: ص:  >  >>