وقال القاضي أبو يعلى الفراء في التعليقة الكبيرة (٢/ ٤٧٤): «إذا أُحصر في حج التطوع، فحلَّ منه بالهدي، لم يلزمه القضاء في أصح الروايتين:
نص عليه في رواية أبي طالب، فيما أخرجه النجاد، فقال: فإن حُصر بعدو، ينحر الهدي، ويحل، كما فعل النبي ﷺ، فقيل له: فعليه القضاء؟ فقال: لم أسمع فيه قضاء، يحل ويرجع، كما فعل النبي ﷺ.
وقال في رواية ابن القاسم: لا يُعيد من أُحصر بعدو حجاً ولا عمرة، إلا أن يكون رجلاً لم يحج قط.
وقال أيضاً في رواية الميموني: إذا حصره العدو نحر الهدي مكانه، وليس عليه شيء أكثر من هذا».
ثم ذكر رواية أخرى عن أحمد، وهي وجوب القضاء، ثم قال: «وجه الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ [البقرة: ١٩٦]، وتقدير الآية: فإن أُحصرتم، فأردتم التحلل، فما استيسر من الهدي.
فأوجب الهدي، ولم يوجب القضاء، فلو كان واجباً لبينه، وأمر به، كما أمر بالهدي»، … إلى آخر كلامه، وفيه طول.
وقال ابن المنذر في الإقناع (١/ ٢٣٥): «فإذا أُحصر المرء المحرم بعدو فله أن يحل ويرجع، يقدم الذبح قبل الحلق، ثم يحلق أو يقصر، وليس عليه قضاء؛ إلا أن لا يكون حج حجة الإسلام فيحجها».
وقال عبد الرحمن القنازعي في تفسير الموطأ (٢/ ٦٣٢): «من حصره العدو عن البيت، لا قضاء عليه، وهذه السنة الثابتة عند أهل المدينة» [بتصرف].
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في المعونة (٥٩٠): «ومن أُحصر بعدو فله التحلل، وينحر هدياً إن كان معه، وينصرف، ولا هدي عليه سواء كان حاجاً أو معتمراً، في الحرم وغيره، لأن النبي ﷺ فعل ذلك يوم الحديبية تحلل ونحر وانصرف.
ولا هدي عليه لأجل تحلله؛ خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه تحلل مأذون له فيه، غير منسوب إلى تفريط، ولا إدخال نقص، فلم يلزمه فيه هدي اعتباراً به إذا أكمل حجه، ولأنه لما خفف بإجازة التحلل من إحرام قد عقده كان بأن يخفف عنه من إيجاب هدي أولى.
ولا قضاء عليه لما تحلل منه، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه ممنوع عن الوصول إلى فعل المناسك بيد غالبة، فلم يلزمه قضاء، … ، ولا يلزم عليه للضرورة؛ لأن ما يلزمه ليس بقضاء، بل هو الواجب عليه في الأصل، ولأنه ﷺ تحلل هو وأصحابه، ولم يأمر أحداً منهم بالقضاء، ولا روي عنهم أنهم قضوا. [وانظر أيضاً: الإشراف (١/ ٥٠٤). عيون المسائل (٢٩٠)].
قلت: فكل من أسقط عن المحصر القضاء، فمن باب أولى أن يسقط عنه إبدال الهدي؛ كما يدل عليه كلام الخطابي والبغوي.