أهدى عام الحديبية، وكان هديه إشراكاً من النبي ﷺ له، وتفضلاً عليه، فالقول بأن النبي ﷺ أمرهم بالبدل في عمرة القضاء، يكون قد أوجب عليهم شيئاً، لم يوجبه الله عليهم، حيث إن أكثرهم لم يهد، وهذا قول يحتاج إثباته إلى دليل قوي، يحتمل هذه المعارضات، وحديث أبي حاضر عن ابن عباس لا يقوى على معارضة ما تقدم ذكره، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
• ثم إن عامة الأئمة لم يقولوا بموجبه:
• قال مالك في الموطأ (١/ ٤٨٣): «من حبس بعدو، فحال بينه وبين البيت، فإنه يحل من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق رأسه حيث حبس، وليس عليه قضاء».
قال مالك: «أنه بلغه أن رسول الله ﷺ حل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رؤوسهم، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي، ثم لم يُعلم أن رسول الله ﷺ أمر أحداً من أصحابه، ولا ممن كان معه، أن يقضوا شيئاً، ولا يعودوا لشيء»، ثم أسند حديث ابن عمر الآتي ذكره.
وقال الشافعي في الأم (٣/ ٣٩٨): «قال الله ﷺ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهُدَى مَحِلَّهُ﴾ الآية.
قال الشافعي: فلم أسمع ممن حفظت عنه من أهل العلم بالتفسير مخالفاً في أن هذه الآية نزلت بالحديبية حين أحصر النبي ﷺ فحال المشركون بينه وبين البيت، وأن رسول الله ﷺ نحر بالحديبية، وحلق ورجع حلالاً، ولم يصل إلى البيت ولا أصحابه؛ إلا عثمان بن عفان وحده، … »، إلى أن قال: «يشبه - والله أعلم - أن لا يكون على المحصر بعدو قضاء؛ لأن الله تعالى لم يذكر عليه قضاء، وذكر فرائض في الإحرام بعد ذكر أمره.
قال: والذي أعقل في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت من ظاهر الآية، وذلك أنا قد علمنا في متواطئ أحاديثهم: أن قد كان مع رسول الله ﷺ عام الحديبية رجال يُعرفون بأسمائهم، ثم اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضية، وتخلف بعضهم بالحديبية من غير ضرورة في نفس ولا مال علمته، ولو لزمهم القضاء لأمرهم رسول الله ﷺ إن شاء الله تعالى - أن لا يتخلفوا عنه، وما تخلفوا عن أمر رسول الله ﷺ».
ثم قال: «والذي نذهب إليه من هذا: أنها سميت عمرة القصاص، وعمرة القضية؛ أن الله ﷺ اقتص لرسول الله ﷺ فدخل عليهم كما منعوه، لا على أن ذلك وجب عليه».
وقال الماوردي في الحاوي (٤/ ٣٥٣) في هذا المعنى الأخير في سبب تسميتها عمرة القضاء: «لأن النبي ﷺ قاضي عليها سهيل بن عمرو؛ على أن يرجع في العام المقبل، ولذلك سميت عمرة القصاص؛ لأنه اقتص منهم حين منعوه»، يعني: لا أنه شيء أوجبه الله عليه.
وقال القاضي أبو يعلى الفراء في التعليقة الكبيرة (٢/ ٤٧٤): «إنما سميت بهذا الاسم لقوله في الكتاب: هذا ما قاض محمد رسول الله سهيل بن عمرو، وكان اشتقاقه من المقاضاة والقضية دون ما ذكروه».