يمكن حملها على من ساق الهدي وكان قارناً، بدليل الرواية المختصرة، حيث أسند ذلك لرسول الله ﷺ وقد كان قارناً ممن ساق الهدي، وأن القارن يكفيه كالمفرد طواف واحد، وسعي واحد، وهذا لكونه لم يعد طواف القدوم بالنسبة له لكونه مستحباً، وبهذا يكون جابر قد ذكر في مطلع الحديث صفة الحج للمتمتع، وأمر النبي ﷺ كل من لم يسق الهدي بأن يحل بعمرة ثم يهل بالحج يوم التروية؛ إلا أنه ختم الحديث بالكلام عن حال القارن الذي ساق الهدي، ومما يؤيد هذا التأويل: أنه في مطلع الرواية ذكر أن الذين حلوا بعمرة، قد طافوا بالبيت وصلوا ركعتين، وسعوا بين الصفا والمروة، فكيف يقال بعد ذلك بأنهم طافوا بالبيت مرة واحدة لحجهم وعمرتهم؟! ولا شك أن أكثر الروايات عن جابر قد أشكلت، حيث ذكرت أنهم طافوا بالبيت مرتين مرة لعمرتهم، ومرة لحجهم، بخلاف السعي، ففي حديث جابر: أنهم لم يسعوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة، لكن بهذا التأويل يمكن حل الإشكال، وأنه عنى بذلك القارنين، وسيأتي لذلك مزيد إيضاح عند الكلام عن طرق حديث جابر (١٧٨٥ - ١٧٨٩)، والله أعلم.
• ورواه وهب بن جرير [ثقة]: ثنا جرير بن حازم [بصري، ثقة، من السادسة، معروف بالرواية عن ابن إسحاق]، عن محمد بن إسحاق صدوق، وقد صرح بالسماع من ابن أبي نجيح حدثني ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وعطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: كثرت القالة من الناس، فخرجنا حجاجاً، حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا ليالي قلائل؛ أمرنا بالإحلال، فيروح أحدنا إلى عرفة وفرجه يقطر منياً، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقام خطيباً، فقال:«أبالله تُعلموني أيها الناس، فأنا والله أعلم بالله وأتقاكم له، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هدياً، ولحللت كما أحلُّوا، فمن لم يكن معه هدي، فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومن وجد هدياً فلينحر»، فكنا ننحر الجزور عن سبعة.
وقال عطاء: قال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ قسم يومئذ في أصحابه غنماً، فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس، فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله ﷺ بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف، فقام تحت يدي ناقته فقال له النبي ﷺ:«اصرخ: أيها الناس هل تدرون أي شهر هذا؟»، قالوا: الشهر الحرام، قال:«فهل تدرون أي بلد هذا؟»، قالوا: البلد الحرام، قال:«فهل تدرون أي يوم هذا؟»، قالوا:[يوم] الحج الأكبر، قال رسول الله ﷺ: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم، كحرمة شهركم هذا، وكحرمة بلدكم هذا، وكحرمة يومكم هذا، فقضى رسول الله ﷺ حجه، وقال حين وقف بعرفة:«هذا الموقف، وكل عرفة موقف»، وقال حين وقف على قُزَح:«هذا الموقف، وكل مزدلفة موقف».