وما لا يثبت لا حجة فيه، ولبن الماشية أولى أن يكون مباحاً، فإن لم يثبت هكذا من ثمر الحائط، لأن ذلك اللبن يستخلف في كل يوم، والذي يعرف الناس أنهم يبذلون منه ويوجبون من بذله ما لا يبذلون من الثمر، ولو ثبت عن النبي ﷺ قلنا به، ولم نخالفه».
وقال أيضاً (٣/ ٦٣٨): «وقد قيل: من مر بحائط فله أن يأكل ولا يتخذ خبنة، وروي فيه حديث، لو كان يثبت مثله عندنا؛ لم نخالفه. والكتاب والحديث الثابت: أنه لا يجوز أكل مال أحد إلا بإذنه. ولو اضطر رجل فخاف الموت ثم مر بطعام لرجل، لم أر بأساً أن يأكل منه ما يرد من جوعه، ويغرم له ثمنه، ولم أر للرجل أن يمنعه في تلك الحال فضلاً من طعام عنده، وخفت أن يضيق ذلك عليه، ويكون أعان على قتله، إذا خاف عليه بالمنع القتل».
قلت: قد ثبت معناه بقيد الحاجة من حديث عمرو بن شعيب؛ وأن من فعل ذلك فأكل بفيه فلا شيء عليه، ولا يغرم ثمنه لصاحبه، وأما حديث يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر؛ فهو حديث منكر؛ كما تقدم بيانه وعليه فقد وجب العمل بحديث عمرو بن شعيب بقيده، وترك القياس في موضع النص.
وقد رويت أحاديث في الجواز عند الضرورة:
١ - حديث سمرة بن جندب:
رواه عبد الأعلى: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب ﵁؛ أن نبي الله ﷺ قال:«إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن له فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها [أحد] فليُصوّت ثلاثاً، فإن أجابه [أحد] فليستأذنه، وإلا وفي رواية: فإن لم يجبه أحد فليحتلب وليشرب ولا يحمل».
أخرجه أبو داود (٢٦١٩)، والترمذي (١٢٩٦)، والبزار (١٠/٤٠٩/٤٥٥١)، والروياني (٨٢١)، والطبراني في الكبير (٧/٢١١/٦٨٧٧)[وقع فيه وهم بتعيين سعيد بأنه ابن بشير، وهو خطأ؛ إنما هو ابن أبي عروبة]، والبيهقي (٩/ ٣٥٩). [التحفة (٣/ ٥٨٩/ ٤٥٩١)، المسند المصنف (٩/ ٤٩٩/ ٤٦٣٧)].
قلت: وهذا إسناد صحيح إلى الحسن البصري، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي: ثقة، سمع من ابن أبي عروبة قبل اختلاطه، وهو من أروى الناس عنه، روى له الشيخان من روايته عن ابن أبي عروبة، ولم ينفرد به عبد الأعلى، عن ابن أبي عروبة:
• تابعه: سرار بن مجشر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا مر أحدكم بماشية فليناد ثلاثاً، فإن أجابه أحد، وإلا حلب وشرب».
أخرجه الطبراني في الكبير (٧/٢١١/٦٨٧٨)، بإسناد جيد إلى سرار بن مجشر.
قلت: وسرار بن مُجشَّر: بصري، ثقة، من الطبقة الثامنة، مات سنة (١٦٥)، فهو قديم الموت، من قدماء أصحاب ابن أبي عروبة وثقه ابن معين، وقال: «سرار: من