وهو حديث حسن، تقدم تخريجه في الجزء التاسع عشر برقم (١٥٧٥).
وقد نقل محمد بن الحكم [من أصحاب أحمد، موصوف بالفهم والحفظ والمعرفة، تقدمت وفاته على أحمد بثمان عشرة سنة. طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٢٩٥)]، عن أحمد، وقد سأله عن حديث بهز بن حكيم عن النبي ﷺ:«من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله»، فقال:«لا أدري ما وجهه؟ إذا منع الصدقة أخذها منه الإمام، ولم يأخذ غير ما وجب عليه». [الروايتين والوجهين (١/ ٢٢٢)].
وقال في رواية الأثرم:«ما أدري ما وجهه؟»، وسئل عن إسناده، فقال:«هو عندي صالح الإسناد». [المغني (٤/٧)].
ومما قلت هناك: هو حديث مشكل، وقد اختلفت أنظار النقاد فيه، فمنهم من رده سنداً ومتناً، ومنهم من قبله مطلقاً، ومنهم من قبله لكن استشكل متنه، وقد سبق نقل كلام الشافعي في رده، وكلام أحمد في قبوله واستشكال معناه، ثم ردّه إلى العمل بالمحكم، كما قد تأوله البيهقي، وقد قبله أكثر نقاد الحديث.
وقد ذكر ابن المنذر في الأوسط (١١/٥٨/٦٤٤٥) هذا الحديث ضمن أحاديث احتج بها من رأى أن للإمام أن يعاقب بالمال تعزيراً [وانظر أيضاً في العقوبات التعزيرية بالمال: إعلام الموقعين (٣/ ٢٤٠)].
ثم قلت: وأما حديث بهز هذا: فإنا نذهب إلى القول بثبوته مع تأويله، لكونه مشكل المعنى، والواجب رد المشتبه إلى المحكم، وأحاديث فريضة الصدقات مع وقائع الصحابة مع مانعيها تدل على عدم جواز أخذ قدر زائد على الفرض، فلزم التأويل، أو تحمل التبعة على بهز بن حكيم نفسه، ويغلط في هذه اللفظة التي انفرد بها.
ثم ختمت كلامي بقولي: فظهر بذلك أن لأطراف حديث بهز شواهد تدلل على صحته، سوى أني لم أجد شاهداً من أحاديث الصدقة، ووقائع الصحابة مع مانعي الزكاة ما يدل على تضعيف الغرامة على مانعها، والذي جاء في قوله ﷺ:«ومن منعها فإنا آخذوها منه وشطر إبله؛ عزمة من عزمات ربنا»؛ فلما وجدت عامة النقاد لم يردوا حديث بهز [سوى الشافعي وابن حبان وابن حزم]، وقال: أحمد: «ما أدري ما وجهه؟»، كان العمل على قبوله في الجملة، دون العمل بما دلت عليه هذه اللفظة؛ لاحتمال كونها منسوخة، أو متأولاً، إعمالاً لما استقر عليه العمل عند الصحابة في قتال مانعي الزكاة مع عدم تضعيف الغرامة عند القدرة عليهم، حيث ذهب إلى القول بالنسخ: البيهقي، كما يمكن للإمام إذا رأى إعماله على ظاهره بتضعيف الغرامة زجراً للمعاند، أو درءاً لفتنة؛ فله ذلك، حيث ذهب إلى إعماله على ظاهره ابن راهويه والنسائي وأبو بكر عبد العزيز، والله أعلم.
ويقال هنا: ثمة فارق بين حديث معاوية بن حيدة في تضعيف غرامة مانع الزكاة، وبين حديث عمرو بن شعيب في تضعيف غرامة السارق من غير الحرز، بأن الأول جاء في فريضة الزكاة، التي استقر العمل بها عند الصحابة في قتال مانعي الزكاة مع عدم تضعيف