وقد تعقب ابن القيم دعوى النسخ في هذه المسألة فقال:«من قال: إن العقوبات المالية منسوخة، وأطلق ذلك، فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلاً واستدلالا، فأكثر هذه المسائل سائغ في مذهب أحمد وغيره، وكثير منها سائغ عند مالك، وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة ﵃ لها بعد موته ﷺ مبطل أيضاً لدعوى نسخها، والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ولا سنة ولا إجماع يصحح دعواهم» [الطرق الحكمية (٢/ ٦٩٢)، وانظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٨٤) و (٢٨/ ١١٩)] [وانظر أيضاً في رد دعوى النسخ: المجموع شرح المهذب (٥/ ٣٣٤)].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٨٤): «ومن ذلك: أن أهل المدينة يرون العقوبات المالية مشروعة، حيث مضت بها سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين؛ كما أن العقوبات البدنية مشروعة حيث مضت بها السنة، وقد أنكر العقوبات المالية من أنكرها من أهل الكوفة ومن اتبعهم، وادعوا أنها منسوخة، ومن أين يأتون على نسخها بحجة؟ وهذا يفعلونه كثيراً إذا رأوا حديثاً صحيحاً يخالف قولهم، وأما علماء أهل المدينة وعلماء الحديث فرأوا السنن والآثار قد جاءت بالعقوبات المالية، كما جاءت بالعقوبات البدنية: مثل: … » ثم ذكر أمثلة، ومنها:«وكما ضعف القود على من سرق من غير الحرز»، يعني: أسقط عنه القطع والقود، وأضعف عليه الغرم.
قلت: أثر عمر في قصة ناقة المزني:
رواها مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب؛ أن رقيقاً لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ثم قال عمر: إني أراك تجيعهم، والله لأغرمنَّك غُرماً يشق عليك، ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ فقال المزني: قد كنت والله أمنعها من أربع مائة درهم، فقال عمر: أعطه ثمان مائة درهم.
أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٢٩٤/ ٢١٧٨ - رواية يحيى الليثي)(١٣٩٣ - رواية القعنبي)(٢٩٠٥ - رواية أبي مصعب الزهري)(٣/ ٢٨٢/ ٢٦٤٣ - رواية ابن بكير)(٢٧٢ - رواية ابن وهب وابن القاسم، جمع ابن جوصا)(٢٨٢ - رواية الحدثاني)، ومن طريقه: الشافعي في الأم (٨/ ٦٤٠/ ٣٨٠٧)، وفي المسند (٢٢٤)، وابن المنذر في الأوسط (٦/ ٦٠٥٠/ ٥٧)، والطحاوي في شرح المشكل (١٣/ ٣٦٥)، وابن حزم في المحلى (١٢/ ٣٠٧)، والبيهقي في المعرفة (١٢/ ٤٢٥/ ١٧٢٤٢)، والبغوي في شرح السنة (١٠/ ٣١٦/ ٢٥٩٩). [وانظر: علل الحديث لابن أبي حاتم (٤/ ١٩٠/ ١٣٥٤)، الاستذكار (٢٢/ ٢٦٢)].
ورواه جعفر بن عون، وحماد بن سلمة، ومعمر بن راشد [وهم ثقات]:
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن حاطب [يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب]؛ أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة [وفي رواية جعفر بن عون: