للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:
مسار الصفحة الحالية:

وقال ابن قدامة في المغني (١٢/ ٤٣٨): «وإن سرق من الثمر المعلق، فعليه غرامة مثليه، وبه قال إسحاق؛ للخبر المذكور [يعني: حديث عمرو بن شعيب]. وقال أحمد: لا أعلم سبباً يدفعه. وقال أكثر الفقهاء: لا يجب فيه أكثر من مثله. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بوجوب غرامة مثليه. واعتذر بعض أصحاب الشافعي عن هذا الخبر، بأنه كان حين كانت العقوبة في الأموال، ثم نسخ ذلك.

ولنا: قول النبي وهو حجة لا تجوز مخالفته، إلا بمعارضة مثله أو أقوى منه، وهذا الذي اعتذر به هذا القائل دعوى للنسخ بالاحتمال من غير دليل عليه، وهو فاسد بالإجماع، ثم هو فاسد من وجه آخر؛ لقوله: «ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع»، فقد بين وجوب القطع مع إيجاب غرامة مثليه، وهذا يبطل ما قاله، وقد احتج أحمد بأن عمر أغرم حاطب بن أبي بلتعة حين انتحر غلمانه ناقة رجل من مزينة، مثلي قيمتها، وروى الأثرم الحديثين في سننه، قال أصحابنا: وفي الماشية تسرق من المرعى، من غير أن تكون محرزة، مثلا قيمتها؛ للحديث، وهو ما جاء في سياق حديث عمرو بن شعيب: أن السائل قال: الشاة الحريسة منهن يا نبي الله؟ قال: «ثمنها ومثله معه، والنكال وما كان في المراح، ففيه القطع إذا كان ما يأخذه من ذلك ثمن المجن»، وهذا لفظ رواية ابن ماجه، وما عدا هذين لا يغرم بأكثر من قيمته، أو مثله إن كان مثلياً»، ثم ذكر بأن هذا الأصل لا يقاس عليه، بل يرجع إلى الأصل الآخر في وجوب غرامة المثلي بمثله، والمتقوم بقيمته بدليل المتلف والمغصوب، والمنتهب والمختلس، وسائر ما تجب غرامته، والله أعلم.

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (٤/ ٣٥٢): «في مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي التي شرحها السعدي بكتاب سماه المترجم، قال: سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يحمل الثمر من أكمامه فقال: فيه الثمن مرتين وضرب نكال، وقال: وكل من درأنا عنه الحدود والقود أضعفنا عليه الغرم» [وانظر: القواعد لابن رجب (٣/ ٦٣)، القاعدة الأربعون بعد المئة من سقطت عنه العقوبة بإتلاف نفس أو طرف مع قيام المقتضي له لمانع؛ فإنه يتضاعف عليه الغرم].

وقال ابن المنذر في الأوسط (١٢/ ٣٠٩) في سياق الكلام أن لا قطع على السارق حتى يخرج بالمتاع من الحرز: ليس في هذا الباب حديث ثابت لا مقال فيه لأهل العلم، لأن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده دفعه ناس وقال به آخرون، وفيه «وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامه مثليه وجلدات نكال». وهذا يقلُّ القائلون به، وحديث صفوان مرسل، ولا يثبت في هذا الباب عن أحد من أصحاب النبي شيء، وعوام أهل العلم لا يوجبون على السارق قطع حتى يخرج بالمتاع من حرز صاحبه، … وبقول عوام أهل العلم نقول، وهو عندي كالإجماع، والله أعلم.

قلت: قوله: دفعه ناس لا يعني أنهم ضعفوه، وإنما تأولوه بأنه منسوخ، والله أعلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>