للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:
مسار الصفحة الحالية:

قال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢١١) (١٢/ ١٨٥ - ط الفرقان): «في هذا الحديث كلمة منسوخة، وهي قوله: «وغرامة مثليه»، لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بها؛ إلا ما جاء عن عمر في رقيق حاطب بن أبي بلتعة حين انتحروا ناقة رجل من مزينة، ورواية عن أحمد بن حنبل، ويحمل هذا على العقوبة والتشديد والذي عليه الناس: العقوبة في الغرم بالمثل، لقول الله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وأما العقوبة في البدن بالاجتهاد فغير مدفوعة عند العلماء» [وانظر أيضاً: التمهيد (٢/٢٣) و (١٨/ ٢١٧)].

وقال أيضاً في موضع آخر (٢٣/ ٣١٤): «لا أعلم أحداً قال بتضعيف القيمة غير أحمد بن حنبل، وسائر العلماء يقولون بالقيمة أو المثل»، ثم ذكر بأن التضعيف منسوخ بالقرآن والسنة، ثم قال: «وأجمع فقهاء الأمصار على أن لا تضعيف في شيء من الغرامات، وأجمعوا على إيجاب المثل على مستهلك المكيلات والموزونات، واختلفوا في العروض».

هكذا قال ابن عبد البر، وكان منصفاً حين ذكر من قال بذلك، لكن الطحاوي أعرض عن ذكر المخالف بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث قال: «وقد أجمع أهل العلم أن ذلك مما قد نسخ، وردت العقوبات على ترك ما يكون بالأبدان من الأشياء المحرمة على الأبدان دون الأموال» [مشكل الآثار (١٥/ ١٠٢)].

وممن أنصف أيضاً فذكر الخلاف في المسألة، ولم يجعل التعزير بالمال منسوخاً، ولا ذكر الإجماع على خلافه؛ ابن المنذر حيث قال في الأوسط (٦/ ٥٧): «وقد روينا عن جماعة من أصحاب رسول الله والتابعين: أنهم جعلوا دية من قتل في الحرم دية وثلث، تغليظاً على القاتل، قالت هذه الفرقة: فللإمام أن يعاقب أهل الريب والمعاصي بالضرب والحبس، فإذا جاز أن يعاقبهم في أبدانهم فكذلك جائز أن يعاقبهم في أموالهم، بل عند كثير من الناس العقوبة في المال أيسر وأسهل من العقوبة في البدن.

وكان أحمد بن حنبل يقول في الرجل يحتمل الثمرة من أكمامه: فيه الثمن مرتان وضرب النكال، وقال: كل من درأنا عنه الحد والقود أضعفنا عليه الغرم لحديث المزني، وكان يرى تغليظ الدية على من قتل في الشهر الحرام، وفي الحرم، والتغليظ فيه دية وثلث».

وقال الخطابي في المعالم (٢/ ٩٠): «وقوله: «فعليه غرامة مثليه» يشبه أن يكون هذا على سبيل التوعد، لينتهي فاعل ذلك عنه. والأصل أن لا واجب على متلف الشيء أكثر من مثله. وقد قيل: إنه كان في صدر الإسلام يقع بعض العقوبات في الأموال ثم نسخ، والله أعلم. وإنما سقط القطع عمن سرق الثمر المعلق لأن حوائط المدينة ليس عليها حيطان، وليس سقوطه عنه من أجل أن لا قطع في عين الثمر؛ فإنه مال كسائر الأموال؛ ألست ترى أنه قد أوجب القطع في ذلك الثمر بعينه إذا كان آواه الجرين، فإنما كان الفرق بين الأمرين الحرز» [المجموع المغيث (٢/ ٥٥٧)].

<<  <  ج: ص:  >  >>