للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أصحابه وجنده، ومعه خادمان، وقصد الركوب في زورق. فأعلم المتوكلون بالجسر. المعتز بخبره، فأمرهم بقتله، فقتلوه وحملوا رأسه إليه.

وفيها (١): في جمادى الآخرة توفي علي الزكي (٢)، أحد الأئمة الاثنى عشر ابن محمد الجواد، المقدم ذكره (٣) سنة عشرين ومائتين. وكان علي المذكور سُعي به إلى المتوكل أن عنده كتبًا وسلاحًا. فأرسل المتوكل جماعة من الترك فهجموا عليه ليلًا على غفلة. فوجدوه في بيت مغلق، وعليه مدرعة شعر، مستقبل القبلة، يترنم بالقرآن، في الوعد والوعيد، وليس بينه وبين الأرض بساط إلا الرمل. فحمل على هيأته إلى المتوكل، والمتوكل يستعمل الشراب، وبيده الكأس فلما رآه المتوكل أعظمه وأجْلَسَهُ إلى جانبه، وناولَهُ الكأس، فقال: يا أمير المؤمنين والله ما خامر لحمي ودمي قط، فاعفني منه، فأعفاه، وقال: أنشدني شعرًا، فقال: إني لقليل الرواية للشعر، فقال المتوكل: لا بد من ذلك (٤) فأنشده: [من البسيط]

باتوا على قُلَل الأجبال تحرسهم … غُلْبُ الرجال فما أغنتهم القُلَل (٥)

فاستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم … وأودعوا حُفَرًا يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخ من بعد ما قُبروا … أينَ الأسرة والتيجانُ والحُلَلُ

أين الوجوه التي كانت منعمةً … من دونها تضرب الأستار والكلل

فأفصح القبر عنهم حين ساءَلَهُمْ … تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قد طالما أكلوا دهرًا وما شربوا … فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكِلُوا

فبكى المتوكل وأمر برفع الشراب، وقال: يا أبا الحسن أعليك دين؟ قال: نعم أربعة آلاف دينار، فدفعها وردّه إلى منزله مكرّمًا.

وكانت ولادة علي المذكور في رجب سنة أربع عشرة ومائتين، وتوفي لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين ومائتين بسامراء، ويقال له العسكري لسكناه بسامراء لأنها جعلت لسكنى العسكر (وهو (٦) عاشر الأئمة الاثنى عشر).


(١) المختصر ٢/ ٤٤.
(٢) في (ح) التركي. وانظر خبر وفاة الإمام علي الهادي وترجمته في: تاريخ اليعقوبي ٣/ ٢٤٠ وتاريخ الطبري ٩/ ٣٨١ والبداية والنهاية ١١/ ١٥ والشذرات ٢/ ١٢٨.
(٣) المقدم ذكره. شطب عليها في الأصل.
(٤) التكملة عن المختصر.
(٥) البصائر والذخائر ٤/ ٢٢٢ ووفيات الأعيان ٣/ ٢٧٢ والوافي بالوفيات ٢٢/ ٧٣ والبداية والنهاية ١١/ ١٥.
(٦) ما بين قوسين شطب عليه في نسخة الأصل.

<<  <  ج: ص:  >  >>