خمس وأربعون سنة، وكان من محاسن الدنيا، لم ير في وقته مثله.
وفاة الرشيد (١)
وفي هذه السنة، توفي لثلاث خَلَوْنَ من جمادى الأخر، (وكان به مرض من حين ابتدأ بسفره، فاشتدّ عليه بجرجان في صفر، فسار إلى طوس، فمات بها في التاريخ المذكور)(٢). وكان قد سيّر الرشيد ابنه المأمون إلى مرو، وحفر الرشيد قبره موضع الدار التي كان نازلًا بها، وأنزل فيه قومًا ختموا فيه القرآن وهو في محفّة على شفير القبر، وكان يقول في تلك الحال: واسوأتاه من رسول الله ﷺ، ولما دَنَتْ منه الوفاة غشي عليه، ثم أفاق فرأى الفضل بن الربيع عند رأسه، فقال: يا فضل: [من الطويل]
أحينَ دنا ما كنتُ أخشى دنوّه … رمتني عيون الناس من كل جانب
فأصبحتُ مرحومًا وكنتُ محسّدًا … فصبرًا على مكروه مر العواقب
سأبكي على الوصل الذي كان بيننا … وأندب أيام السرور الذواهب
ثم مات وصلى عليه ابنه صالح، وحضر وفاته الفضل بن الربيع وإسماعيل بن صبيح، ومسرور السياف (٣). وكانت (٤) خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يومًا. وكان عمره سبعًا وأربعين سنة، وخمسة أشهر وخمسة أيام، وكان جميلًا أبيض قد وَخَطَهُ الشيب. وكان له من البنين: الأمين من زبيدة والمأمون من أم ولد اسمها مراجل. والقاسم المؤتمن، والمعتصم محمد وصالح وأبو عيسى محمد، وأبو يعقوب (محمد)(٥)، وأبو العباس محمد، وأبو سليمان محمد وأبو علي محمد، وأبو محمد وهو اسمه، وأبو أحمد محمد، كلهم لأمهات أولاد وخمس عشرة بنتًا، وكان الرشيد يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم.
وعهد بالخلافة إلى الأمين، ومن بعده إلى المأمون، وكتب بينهما عهدًا (٦) بذلك وجعله في الكعبة، وكان جعل ابنه القاسم المؤتمن ولي العهد بعد المأمون، وجعَلَهُ
= ٢/ ٢٨٩ وكامل ابن الاثير ٥/ ١٢٨. (١) المختصر ٢/ ١٨ وانظر الخبر مفصلًا في تاريخ الطبري ٨/ ٣٤٢ وكامل ابن الاثير ٥/ ١٢٩ والبداية والنهاية ١٠/ ٢١٣. (٢) ما بين قوسين شطب عليه في النسختين. (٣) في المختصر: ومسرور وحسين، وفي تاريخ الطبري: ومن خدمه مسرور وحسين ورشيد. (٤) ما بعدها شطب عليه في الأصل إلى نهاية الخبر. (٥) ليست في المختصر. (٦) انظر نص العهد في تاريخ الطبري ٨/ ٢٨١ وتاريخ اليعقوبي ٣/ ١٥٨.