قال الحاكم:«هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه».
وقال الحازمي:«وهو حديث حسن على شرط أبي داود والنسائي، أخرجاه في كتابيهما».
قلت: نعم؛ هو صحيح بهذا الإسناد ممن فوق العطاردي، وهو المحفوظ عن الأعمش، كما سيأتي بيانه، لكن هل حفظه العطاردي عن أبي معاوية بهذا الوجه، لا سيما وقد قيل: بأنه خاتمة أصحاب أبي معاوية؟
فيقال: أحمد بن عبد الجبار العطاردي: وثقه السري بن يحيى وغيره، وقال الدارقطني ومسلمة بن قاسم:«لا بأس به»، وأثبت له أبو كريب السماع من أبي بكر بن عياش، وأثنى عليه، وقال ابن حبان في الثقات:«ربما خالف، لم أر في حديثه شيئاً يجب أن يُعدل به عن سبيل العدول إلى سنن المجروحين»، وقال ابن عدي:«ولا يُعرف له حديث منكر رواه، وإنما ضعفوه لأنه لم يلق من يحدث عنهم»، وقال الخليلي:«ليس في حديثه مناكير، لكنه روى عن القدماء فاتهموه لذلك»، وقد مال الحاكم والبيهقي إلى قول من وثقه؛ فاعتمداه في تصانيفهما.
لكن ابن عدي افتتح ترجمته بقوله:«رأيت أهل العراق مجمعين على ضعفه، وكان أحمد بن محمد بن سعيد لا يحدث عنه لضعفه، وذكر أن عنده عنه قمطراً، على أنه لا يتورع أن يحدث عن كل أحد».
قلت: أحمد بن محمد بن سعيد هو: أبو العباس ابن عقدة، الحافظ المكثر: شيعي، اختلف الناس فيه، ضعفه غير واحد بسبب كثرة الغرائب والمناكير في حديثه، وقد كذب الدارقطني من اتهمه بالوضع، وقال:«إنما بلاؤه من هذه الوجادات»، وقال ابن عبد الهادي:«ابن عقدة لا يتعمد وضع متن، لكنه يجمع الغرائب والمناكير، وكثير الرواية عن المجاهيل» [انظر: سؤالات البرقاني (١٥)، سنن الدارقطني (٢/ ٢٦٤) وقال: «ضعيف». تاريخ بغداد (٥/١٤)، السير (١٥/ ٣٤٠)، الكشف الحثيث (٧٨)، اللسان (١/ ٢٨٧)، وغيرها]؛ فإذا كان هذا هو حال ابن عقدة في تساهله في الأخذ والرواية عن المجاهيل، ثم يمتنع من التحديث عن العطاردي، إن ذلك ليجعل في النفس منه شيء؛ لا سيما وليس هو الوحيد الذي امتنع من التحديث عنه، بل فعل ذلك أيضاً: ابن أبي حاتم، ثم إن ابن عدي قد عارض نفسه بأن أخرج في ترجمته حديثاً واحداً قد أخطأ فيه العطاردي، وقال:«وهذا الحديث غير محفوظ بهذا الإسناد، وإنما جاءنا توصيله من رواية أحمد بن عبد الجبار العطاردي»، فكان ذلك شاهداً منه على وهمه في الأسانيد، وأشار إلى ذلك ابن حبان بقوله:«ربما خالف»، قلت: وهذا كثير من العطاردي في أوهامه التي يخالف فيها الثقات، وينفرد عنهم بما لا يتابع عليه، وقد تقدم شيء منها معنا في فضل الرحيم الودود، وانظر: علل الدارقطني، والفصل للوصل المدرج في النقل، والأباطيل والمناكير.