للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

هذا الخبر نفسه المواضع التي يلزم الائتمام بالإمام فيها، وهي قوله : "فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا"، فهاهنا أمر بالائتمام فيه، لا في النية التي لا سبيل إلى معرفتها لغير الله تعالى، ثم لناويها وحده".

وقال في الرد على من ادعى أن معاذًا كان يجعل صلاته مع رسول الله نافلة، وصلاته بقومه فريضة، أو ادعى أنه لا يُعلم حقيقة فعل معاذ، وأيًّا من الصلاتين نوي بها الفرض، قال ابن حزم في الوجه الثالث من وجوه إبطال هذا القول: "والثالث: أن يكون رسول الله يقول: "إذا أقيمت الصلاة فلا إلا المكتوبة"، ويقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ثم يكون معاذ -وهو من أعلم هذه الأمة بالدِّين- يضيِّع فرضَ صلاته الذي قد تعيَّن عليه، فيترك أداءه، ويشتغل بالتنفل، وصلاة الفرض قد أقيمت، حتى لا يدرك منها شيئًا، لا سيما مع رسول الله ، فلَيْتَ شِعْري إلى من كان يؤخِّر معاذ صلاةَ فرضِه حتى يصليها معه، راغبًا عن أن يصليها مع رسول الله ، اتِّباعا لرأي أبي حنيفة ومالك، ألا إن هذا هو الضلال المبين، قد نزَّه الله تعالى معاذًا عنه عند كل ذي مسكة عقل".

ثم قال في الوجه الخامس: "أن يقال لهم: إذ جوزتم لمعاذ ما لا يجوز عندكم، من أن يصلي نافلةً خلف رسول الله ، ومعاذ لم يصل ذلك الفرض بعدُ، وهو يصلي فرضه، فأيُّ فرق في شريعة أو في معقول بين صلاة نافلة خلف مصلي فريضة، وبين ما منعتم منه من صلاة فرض خلف المصلي نافلة، وكلاهما اختلاف نية الإمام مع المأموم، ولا فرق، فهلا قاسوا أحدهما على الآخر".

وقال البيهقي في المعرفة (٢/ ٣٦٦): "والأصل أن ما كان موصولًا بالحديث يكون منه، وخاصة إذا روي من وجهين؛ إلا أن تقوم دلالة على التمييز، فالظاهر أن قوله: "هي له تطوع، وهي لهم مكتوبة" من قول جابر بن عبد الله، وكان أصحاب رسول الله أعلم بالله وأخشى لله من أن يقولوا مثل هذا إلا بعلم.

وحين حكى الرجل فعل معاذ لرسول الله لم ينكر منه إلا التطويل، ويفصل الحال عليه في الإمامة، ولو كان فيها تفصيل لعلمه إياه كما علمه ترك التطويل".

وقال نحوه في الخلافيات [مختصر الخلافيات (٢/ ٢٩٦) وفيه: "ولما شكا الرجل من معاذ تطويله صلاته: لم يفصِّل النبي الحال في الإمامة، ولو كان تفصيل بين أن يكون الإمام متطوعًا أو مؤديًا فرضًا لاستفصل رسول الله ".

قلت: وعلى هذا فإن عدم استفصال النبي من معاذ هل كان متنفلًا بصلاته أم مفترضًا، مع إنكاره عليه التطويل بقوله : "أفتان أنت، … " ينزل منزلة العموم، للقاعدة: إن ترك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، والله أعلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>