فإن قيل: قد جاء في الأسانيد: أن رجلاً من بهز أخبره، مثل ما وقع في رواية ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد، فيقال: قد رواه جماعة من الحفاظ فلم يذكروا فيه الخبر. ومثل ما وقع في رواية يونس بن راشد [عند الدارقطني] في العلل، ومن طريقه: الخطيب في المبهمات، فيقال: يونس بن راشد الجزري الحراني: لا بأس به، وفي الإسناد إليه: إبراهيم بن عبد السلام الجزري الحراني، وهو: مجهول، لا يدرى من هو [انظر: ترجمة الراوي عنه: تاريخ بغداد (٨/ ٢٠٩). وترجمة شيخه: تهذيب الكمال (١٠/ ٣٩٠)] وليس هو: إبراهيم بن عبد السلام الوشاء الضرير البغدادي نزيل مصر؛ فإنه مشهور، لكن ضعفه الدارقطني، وقال مسلمة بن قاسم:«هو صالح في الرواية، لكن يروي أحاديث منكرة» [سؤالات الحاكم (٥٢ و ١١٩). تاريخ بغداد (٧/ ٥٧). اللسان (١/ ٣١٢)].
كذلك رواه عباد بن العوام [عند الدارقطني]، فقال: أن البهزي حدثه، فيقال: قد رواه جمع من كبار الثقات المتقنين؛ فلم يذكروا فيه الخبر: مالك بن أنس، ويزيد بن هارون، وأبو ضمرة أنس بن عياض، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الرحيم بن سليمان الكناني، وحماد بن سلمة، وتابعهم: وأبو أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس، والنضر بن محمد المروزي.
ثم إن سياق حديث عباد بن العوام يدل على صحة التقرير السابق في عدم ثبوت هذا السماع، حيث قال: أن البهزي حدثه، قال: أقبل رسول الله ﷺ، وإذا حمار وحش، فقال رسول الله ﷺ:«لمن هذا الحمار؟»، قال: فجاء البهزي، وهو صاحب الحمار، فقال: يا رسول الله هو لي، فشأنكم به … كذا سياق عباد، فخالف أولاً عبارة الناس في إجابة النبي ﷺ حين قال:«دعوه، فإنه يوشك أن يأتي صاحبه»، هكذا قال مالك، وفي رواية يزيد بن هارون:«أَقِرُّوه حتى يأتي صاحبه»، وفي رواية جرير بن عبد الحميد:«دعوه كهيئته، حتى يأتيه صاحبه»، وفي رواية حماد بن زيد:«دعوه، فإنه سيطلبه صاحبه»، وفي رواية ابن الهاد:«دعوه؛ فيوشك صاحبه أن يأتيه»، وفي رواية عبد ربه بن سعيد:«دعوه، فإنه يوشك أن يأتي صاحبه»، فدل ذلك على وقوع الوهم في رواية عباد بن العوام، ثم إن السياق لو كان للبهزي، لما قال عن نفسه فجاء البهزي، وهو صاحب الحمار، وإنما هذا سياق الصحابي الراوي للواقعة وهو عمير بن سلمة الضمري، والله أعلم.
وقد أجاب ابن حجر في الإصابة (٧/ ٥٢٠)، وفي التهذيب (١٠/ ٣١٦ - ط دار البر) عن هذا التصريح بالسماع، بتوهيم راويه، وأنه غير صيغة التحمل، من العنعنة إلى ذكر السماع، ظناً أنهما سواء، لكون الراوي غير مدلس، فيستوي في حقه الصيغتان، أو لكونه ظن قوله: عن البهزي؛ على سبيل الرواية، فرواه بالمعنى، وقال: حدثه، والله أعلم.
وقبل أن أسوق كلام الأئمة النقاد في بيان الاختلاف الواقع في طرق هذا الحديث، أذكر شيئاً من ترجمة البهزي وما وقع فيها من وهم، وشيئاً من ترجمة عمير بن سلمة الضمري: