ليس بمحرم، قال: فرأيت حمار وحش، فركبت فرسي، وأخذت الرمح، فاستعنتهم، فأبوا أن يعينوني، فاختلست سوطا من بعضهم، فشددت على الحمار فأصبته، فأكلوا منه فأشفقوا، قال: فسئل عن ذلك النبي ﷺ؟ فقال:«هل أشرتم، أو أعنتم؟»، قالوا: لا، قال:«فكلوا». [أخرجه مسلم (٦١/ ١١٩٦)، والنسائي في المجتبى (٥/١٨٦/٢٨٢٦)، وفي الكبرى (٤/٨٢/٣٧٩٥)، واللفظ له].
فدل ذلك على أن ضحكهم لم يكن فيه عندهم دلالة ولا إشارة تمنع من أكل الصيد. قال ابن بطال في شرح البخاري (٤/ ٤٨٦): «قال المهلب: إنما لم يجعل النبي ﷺ ضحك المحرمين بعضهم إلى بعض دلالة على الصيد، وأباح لهم أكله؛ لأن ضحك المحرم إلى المحرم مثله» - مما لا يحل له الصيد - لا حرج فيه، وإن كان قد آل إلى أن تنبه عليه أبو قتادة، فلم يكن أبو قتادة عندهم ممن خرج يقتنص صيدا، فلذلك لم يجب عليهم جزاء، ولا حرم عليهم أكله، وأما إن أشار محرم على قناص أو طالب له، أو أغراه به، أو أعطاه سلاحا، أو أعانه بأي، فيكره له أكله؛ لقول الرسول ﷺ في حديث أبي قتادة:«أمنكم أحد أمر أن يحمل عليها، أو أشار إليها» ﴿﴾؟، قالوا: لا، قال:«كلوا ما بقي من لحمها». اهـ.
وقال ابن قدامة في الكافي (١/ ٤٩٢) مستدلا بهذا الحديث: «وإن ضحك المحرم عند رؤية الصيد ففطن الحلال، فلا شيء فيه».
وقال ابن الملقن في التوضيح (١٢/ ٣٤٦): «قوله: يضحك بعضهم إلى بعض؛ ووقع في رواية: فضحك بعضهم إلي، بتشديد الياء وهو خطأ وتصحيف كما قال القاضي، والصواب: يضحك إلى بعض، فأسقط لفظة: بعض، والصواب إثباتها؛ لأنهم لو ضحكوا إليه كانت إشارة منهم، وقد صرح في الحديث أنهم لم يشيروا إليه. قال النووي: لا يمكن رد هذه الرواية فقد صحت هي والرواية الأخرى وليس في واحدة منهما دلالة ولا إشارة إلى الصيد، وأن مجرد الضحك ليس فيه إشارة منهم، وإنما تعجبوا من عروض الصيد ولا قدرة لهم عليه، ومنعهم منه، وكذا قال ابن التين: يريد أنهم لم يخبروه بمكان الصيد حتى رآه بنفسه ولا أشاروا إليه. وفي الحديث ما يقتضي أن ضحكهم ليس بدلالة ولا إشارة، بين ذلك في حديث عثمان بن موهب، فقال: «أمنكم أحد أشار إليه؟». فقالوا: لا».
وقال ابن حجر في الفتح (٤/٢٣): قوله: فبينا أبي مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض في رواية علي بن المبارك: فبصر أصحابي بحمار وحش، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، زاد في رواية أبي حازم: وأحبوا لو أني أبصرته؛ هكذا في جميع الطرق والروايات، ووقع في رواية العذري في مسلم: فجعل بعضهم يضحك إلي؛ فشددت الياء من: إلي، قال عياض: وهو خطأ وتصحيف، وإنما سقط عليه لفظة: بعض، ثم احتج لضعفها: بأنهم لو ضحكوا إليه لكانت أكبر إشارة، وقد قال لهم النبي ﷺ:«هل منكم أحد أمره أو أشار إليه»؟ قالوا: لا. وإذا دل المحرم الحلال على الصيد لم يأكل منه اتفاقا، وإنما اختلفوا في وجوب الجزاء. انتهى. وتعقبه النووي: بأنه لا يمكن رد هذه الرواية