ويحسن هنا أن أنقل قول أحد أتباع مذهب الشافعي في الرد عليه في هذه المسألة، حيث يقول النووي في المجموع (٦/ ٣٧١): «الصواب الجزم بجواز صوم الولي عن الميت، سواء صوم رمضان والنذر وغيره من الصوم الواجب؛ للأحاديث الصحيحة السابقة، ولا معارض لها، ويتعين أن يكون هذا مذهب الشافعي؛ لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، واتركوا قولي المخالف له، وقد صحت في المسألة أحاديث كما سبق، والشافعي إنما وقف على حديث ابن عباس من بعض طرقه كما سبق، ولو وقف على جميع طرقه وعلى حديث بريدة وحديث عائشة عن النبي ﷺ لم يخالف ذلك، كما قال البيهقي فيما قدمناه عنه في آخر كلامه، فكل هذه الأحاديث صحيحة صريحة فيتعين العمل بها لعدم المعارض لها».
وقال الشافعي في الأم (٣/ ٢٨٣): «وفي حديث علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ: بيان أن عليه أداءها إن قدر، وإن لم يقدر أداها عنه، فأداؤها إياها عنه يجزيه، والأداء لا يكون إلا لما لزم».
وقال في الأم (٣/ ٢٨٥): «ولو جهز من هو بهذه الحال رجلاً فحج عنه، ثم أتت له حال يقدر فيها على المركب للحج ويمكنه أن يحج لم تجز تلك الحجة عنه، وكان عليه أن يحج عن نفسه، فإن لم يفعل حتى مات أو صار إلى حال لا يقدر فيها على الحج وجب عليه أن يبعث من يحج عنه إذا بلغ تلك الحال أو مات؛ لأنه إنما يجزي عنه حج غيره بعد أن لا يجد السبيل، فإذا وجدها وجب عليه الحج وكان ممن فرض عليه ببدنه أن يحج عن نفسه إذا بلغ تلك الحال، وما أوجب على نفسه من حج في نذر وتبرر فهو مثل حجة الإسلام وعمرته، يلزمه أن يحج عن نفسه ويحجه عنه غيره، إذا جاز أن يحج عنه حجة الإسلام وعمرته جاز ذلك فيما أوجب على نفسه».
وقال في الأم (٣/ ٢٨٥): «لا أعلم أحداً نُسِبَ إلى علم ببلد يُعرف أهله بالعلم خالفنا في أن يُحَجَّ عن المرء إذا مات الحجة الواجبة عنه؛ إلا بعض من أدركنا بالمدينة. وأعلام أهل المدينة والأكابر من ماضي فقهائهم تأمر به، مع سنة رسول الله ﷺ، ثم أمر علي بن أبي طالب وابن عباس به، وغير واحد من أصحاب النبي، وابن المسيب، وربيعة. والذي قال: لا يحج أحد عن أحد؛ قاله وقد روى عن النبي ﷺ من ثلاثة وجوه سوى ما روى الناس عن النبي ﷺ من غير روايته: أنه أمر بعض من سأله أن يحج عن غيره، ثم ترك ما روى عن النبي، واحتج له بعض من قال بقوله؛ بأن ابن عمر قال: لا يحج أحد عن أحد، وهو يروي عن ابن عمر ثلاثة وستين حديثاً يخالف ابن عمر فيها، ومنها ما يدعه لما جاء عن النبي، ومنها ما يدعه لما جاء عن بعض أصحاب النبي ﷺ، ومنها ما يدعه لقول رجل من التابعين، ومنها ما يدعه لرأي نفسه.
فكيف جاز لأحد نسب نفسه إلى علم أن يحل قول ابن عمر عنده في هذا المحل، ثم يجعله حجة على السنة، ولا يجعله حجة على قول نفسه؟!