وكان من حجة من قال بهذا القول: أن قال: كيف يجوز أن يعمل رجل عن غيره، وليس في سنة رسول الله ﷺ إلا اتباعها بفرض الله ﷿، كيف! والمسألة في شيء قد ثبتت فيه السنة ما لا يسع عالماً! والله أعلم، ولو جاز هذا لأحد جاز عليه مثله، فقد يُثبت الذي قال هذا لرسول الله ﷺ أشياء بأضعف من إسناد أمر النبي ﷺ بعض الناس أن يحج عن بعض وله في هذا مخالفون كثير؛ منها: القطع في ربع دينار، ومنها: بيع العرايا، ومنها: النهي عن بيع اللحم بالحيوان، وأضعاف هذه السنن، فكيف جاز له على من خالفه أن يُثبت الأضعف ويرد على غيره الأقوى؟ وكيف جاز له أن يقول بالقسامة وهي مختلف فيها عن النبي ﷺ؟ وأكثر الخلق يخالفه فيها، وأعطى فيها بأيمان المدعين الدم وعظيم المال، وهو لا يعطي بها جرحاً ولا درهماً ولا أقل من المال في غيرها. فإن قال: ليس في السنة قياس ولا عرض على العقل، فحديث حج الرجل عن غيره أثبت من جميع ما ذكرت وأحرى أن لا يبعد عن العقل بعدما وصفت من القسامة وغيرها.
ثم عاد فقال بما عاب من حج المرء عن غيره حيث لو تركه كان أجوز له وتركه حيث لا يجوز له تركه، فقال: إذا أوصى الرجل أن يحج عنه حج عنه من ماله، وأصل مذهبه أن لا يحج أحد عن أحد، كما لا يصلي أحد عن أحد، وقد سألت بعض من يذهب مذهبه، فقلت: أرأيت لو أوصى الرجل أن يصلى أو يصام عنه بإجارة أو نفقة غير إجارة أو تطوع، أيصام أو يصلى عنه؟ قال: لا، والوصية باطلة. فقلت له: فإذا كان إنما أبطل الحج؛ لأنه كالصوم والصلاة؛ فكيف أجاز أن يحج المرء عن غيره بماله، ولم يبطل الوصية فيه كما أبطلها؟ قال: أجازها الناس. قلت: فالناس الذين أجازوها أجازوا أن يحج الرجل عن الرجل إذا أَفْنَد، وإن مات بكل حال، وأنت لم تجزها على ما أجازوها عليه مما جاءت به السنة، ولم تبطلها إبطالك الوصية بالصوم والصلاة، فلم يكن عنده فيها سنة ولا أثر ولا قياس ولا معقول، بل كان عنده خلاف هذا كله، وخلاف ما احتج به عن ابن عمر، فما علمته إذ قال: لا يحج أحد عن أحد؛ استقام عليه، ولا أمر بالحج في الحال التي أمر بها رسول الله ﷺ ثم أصحابه وعامة الفقهاء، وما علمتُ من ردَّ الأحاديث من أهل الكلام تروحوا من الحجة علينا إلى شيء تروحهم إلى إبطال من أبطل من أصحابنا؛ أن يحج المرء عن الآخر حيث أبطلها، وأشياء قد تركها من السنن، ولا شغب فيه شغبه في هذا، … ».
قلت: هكذا نقل محمد بن الحسن، والشافعي، عن مالك قوله:«لا يحج أحد عن أحد»، ونقله عنه غيرهما، غير أن ظاهر الموطأ يدل على خلافه، حيث ترجم لحديث ابن عباس في قصة الخثعمية بقوله:(الحج عمن يحج عنه، فدل على جواز النيابة عن العاجز بإطلاق عند مالك.
قال أبو الحسن اللخمي في التبصرة (٣/ ١٢٦٢): واختلف المذهب في حج الإنسان