وقال الشافعي في الرد على مالك، من كتاب الأم (٨/ ٥٧٨): «فقلت للشافعي: فإنا نقول: ليس على هذا العمل. فقال: خالفتم ما رويتم عن النبي ﷺ من روايتكم ومن رواية غيركم، علي بن أبي طالب يروي هذا عن النبي ﷺ، وابن المسيب، والحسن، عن النبي ﷺ، مثل معنى هذه الأحاديث، وعلي، وابن عباس، وابن المسيب، وابن شهاب، وربيعة، بالمدينة: يفتون بأن يحج الرجل عن الرجل، وهذا أشبه شيء يكون مثله عندكم عملاً؛ فتخالفونه كله لغير قول أحد من خلق الله علمته من أصحاب رسول الله ﷺ، وجميع من عدا أهل المدينة من أهل مكة والمشرق واليمن من أهل الفقه: يفتون بأن يحج الرجل عن الرجل.
فقلت للشافعي: فإن من حجة بعض من قال هذا القول؛ أنه قال: إنه روي عن ابن عمر: «لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد»، فجعل الحج في معنى الصيام والصلاة، فقال الشافعي: وهذا قول الضعف فيه بين من كل وجه، قال: أرأيتم لو قال ابن عمر: لا يحج أحد عن أحد، وقد أمر النبي ﷺ أحداً أن يحج عن أحد؛ كان في قول أحد حجة مع رسول الله ﷺ؟
وأنتم تتركون قول ابن عمر لرأي أنفسكم ولرأي مثلكم ولرأي بعض التابعين، فتجعلونه لا حجة في قوله إذا شئتم لأنكم لو كنتم ترون في قوله حجة لم تخالفوه لرأي أنفسكم، ثم تقيمون قوله مقاماً تردون به السنة والآثار، ثم تدعون في قوله ما ليس فيه من النهي عن الحج قياساً، وما للحج والصلاة والصيام؟ هذا شريعة وهذا شريعة، فإن قلتم: قد يشتبهان؛ لأنه عمل على البدن، أفرأيتم إن قال لكم قائل: أنتم تزعمون أن الحج في معنى الصلاة والصوم، وقد أمر النبي ﷺ امرأة أن تحج عن أبيها؟ فأنا أمر الرجل أن يصلي عن الرجل ويصوم عنه؛ هل الحجة عليه إلا أنه لا تقاس شريعة على شريعة؟ فكذلك الحجة عليكم أورأيتم ما فرقت بينه السنة مما هو أشد تقارباً منها؛ فكيف فرقتم بينه؟ فإن قلتم: ما هو؟ قلت: نهى النبي ﷺ عن بيع الرطب بالتمر، ونهى عن المزابنة، وأجاز بيع العرايا! وهي داخلة في المزابنة، وداخلة في بيع الرطب بالتمر؛ لو لم يجزها، فلما أجازها فرقنا بينهما بالسنة، وقلنا: تجوز العرايا، وهي رطب بتمر، وكيل بجزاف؟ ولا يجوز ذلك إذا وضع بالأرض، فكان التمر والرطب في الأرض معاً، فهذا أولى أن لا يفرق بينه بأنه شيء واحد، بعضه حلال بما أحله به رسول الله ﷺ، وبعضه منهي عنه بما نهى عنه رسول الله ﷺ، وقد خالف هذا بعض المشرقيين، فرأينا لنا عليهم بهذا حجة.
فالحجة عليكم بنصه: أن يحج أحد عن أحد، وأنتم تروونه عن النبي ﷺ، ولا تروون عن النبي ﷺ، ولا عن أحد من أصحابه خلافه.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وكيف تقيسونه بالصوم والصلاة؟ أفرأيتم إذا كنتم تجيزون أن يحج أحد عن أحد إذا أوصى بذلك؛ فخالفتم ما قلتم من أن لا يحج أحد عن أحد، وأجزتم مثل ما رددتم فيه السنة، أفيجوز لو أوصى أن يصلى عنه أو يصام عنه؟ فإن