الرخصة بالإحلال، وهذا لا يمنع أن تكون واحدة، كطواف الإفاضة، فإنه من تمام الحج، ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول، وكذلك رمي الجمار أيام منى من تمام الحج، وهو يفعل بعد التحلل التام.
وقول النبي ﷺ:«من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق» يتناول من حج حجة تمتع فيها بالعمرة، وإن تحلل من إحرامه ولم تكن حجته مكية، إذ لا ينقلهم الرؤوف الرحيم بهم من الفاضل الراجح إلى المفضول الناقص، بل إنما نقلهم من المفضول إلى الفاضل الكامل، لا يجوز غير هذا ألبتة.
العشرون: أن القياس أنه إذا اجتمعت عبادتان، كبرى وصغرى، فالسنة تقديم الصغرى على الكبرى منهما، ولهذا كان النبي ﷺ يبدأ في غسل الجنابة بالوضوء أولا، ثم يتبعه الغسل، وقال في غسل ابنته:«ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها»، ففسخ الحج إلى العمرة يتضمن موافقة هذه السنة.
فقد تبين أنه موافق للنصوص والقياس، ولحج خيار الأمة مع نبيها ﷺ، ولو لم يكن فيه نص لكان القياس يدل على جوازه من الوجوه التي ذكرنا وغيرها، ولو تتبعنا أدلة جوازه لطالت، وفي هذا كفاية والحمد لله».
قلت: تقدم الرد على كثير مما قال ابن القيم حيث تبع في ذلك ابن حزم، والذي تبنى قول ابن عباس والدفاع عنه، معرضا بذلك عن عمل عامة الصحابة وفيهم الخلفاء الراشدون وبعض العشرة المبشرين بالجنة، وعامة المهاجرين والأنصار، ومما ينبغي التنبيه عليه:
* احتجاج ابن القيم في الوجه الخامس عشر بحديث سبرة بن معبد، وفيه: أن النبي ﷺ قال: «إن الله ﷿ قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل، إلا من كان معه هدي»، ثم قال:«فهذا نص في انفساخه شاء أم أبى، كما قال ابن عباس وإسحاق ومن وافقهما»، والجواب: ليس الأمر كما قال، إذ لو كان نسخا في انفساخ الحج شاء أم أبى لما وقع الذي وقع عند المروة وبعدها كما في حديث جابر، وإنما كان هذا خطابا لتهيئة الصحابة للفسخ إذا دخلوا مكة، ومع ذلك فإن الصحابة ﵃ لم يحملوه على محمل الجد والإلزام، حتى ألزمهم النبي ﷺ بالفسخ عند المروة، ومع ذلك وقع منهم الاعتراض:
* فمن ذلك ما رواه ابن جريج أخبرني عطاء بن أبي رباح، قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵃ في ناس معي، قال: أهللنا أصحاب محمد ﷺ بالحج خالصا وحده، قال عطاء: قال جابر: فقدم النبي ﷺ صبح رابعة مضت من ذي الحجة، فأمرنا أن نحل، قال عطاء: قال: «حلوا، وأصيبوا النساء»، قال عطاء: ولم يعزم عليهم، ولكن أحلهن لهم، فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس؛ أمرنا أن نفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني، قال: يقول جابر بيده - كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها - قال: فقام