دخول مكة، فهي محمولة على التخيير وليس على الإلزام، وإنما وقع الإلزام والتغيظ عليهم بعد الفراغ من السعي عند المروة، وقد وقع ذلك بسبب إعراض أكثر الصحابة عن المتعة والفسخ، ونحن لا ننكر وقوع الإحرام بالعمرة من الميقات من بعض الصحابة كعائشة وغيرها، بل إن جابراً لما أخبر عن عامة الصحابة أنهم أهلوا بالحج مفرداً، ولم يخلطوه بعمرة، لم يخبر أن أحداً من الصحابة أحرم بعمرة سوى عائشة، وهذا مما يَرُدُّ دعوى كثرة من أحرم بالعمرة من الميقات.
وأما مسألة البدو فقول ضعيف لا دليل عليه، إنما وقع ذلك كله تشريعاً من الله ﷿، وهو أعلم بعباده، ولو أراد الله حسم المسألة ابتداء لكان ذلك عند الميقات، لكن الله ﷿ بحكمته أراد تأخير العزم عليهم في الفسخ عند المروة بعد فراغهم من السعي، لكي تتأهل النفوس في تقبل هذا الأمر على التدريج، كمثل ما وقع لهم في تحريم الخمر، حيث لم تحرم عليهم دفعة واحدة، ولكن وقع التحريم على مراحل، فكذلك هنا لم ينقلوا عن هذا الاعتقاد السائد عندهم في شأن تحريم دخول العمرة في أشهر الحج؛ حتى تقع التهيئة لذلك على مراحل متعددة، فكانت بدايتها بكونه ﷺ ينوي العمرة في ذي القعدة عام الحديبية، ثم يصد عن البيت ويرجع، ثم يتم إيقاعها في العام المقبل، ثم يعتمر مرة أخرى من الجعرانة خفية، ثم تأتي هذه العمرة المقترنة بالحج لتكون هي الفيصل في تثبيت هذا الحكم عند العرب، وإزالة رواسب الجاهلية فيه، ولهذا فإن النبي ﷺ قد هيأ الصحابة لذلك، فخيرهم عند الميقات، فقبل بعضُ وأعرض أكثرهم، ثم أعاد ذلك عليهم في الطريق بسرف وعسفان، ثم عزم عليهم بعد فراغهم من العمرة عند المروة، فما وجه الاعتراض؟
وقد جزم ابن تيمية برأيه الموافق لرأي أحمد في هذه المسألة، حين قال في آخر الوجه السابع:«فلما أمر بالفسخ من لم يسق الهدي دون من ساق، وبين أن السوق يمنع الفسخ، عُلم قطعاً أن الفسخ في نفسه أمر جائز مستحب، وأن لا مانع منه غير سوق الهدي، وهذا واضح لمن أنصف، قلت: وهو الصواب الذي نقول به.
وقال أيضاً: وأما قولهم: فهلا وجب الفسخ على كل حاج، وصار كل من طاف بالبيت حلالاً، سواء قصد التحلل أو لم يقصد، كما يروى عن ابن عباس، وامتنع الإفراد والقرآن لكونهما مفسوخين.
قلنا: لأن أصحاب رسول الله ﷺ من بعده حجوا مفردين وقارنين كما تقدم ذكره عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن الزبير [لعله أراد: الزبير بن العوام] وغيرهم، فعلم أنهم لم يفهموا وجوب التمتع مطلقاً».
وقد نقل ابن القيم في زاد المعاد (٢٣٧/ ٢ - ط عطاءات العلم)، عن شيخ الإسلام ابن تيمية اختصاص وجوبه بالصحابة، فقال: وهو الذي كان يراه شيخنا قدس الله روحه، يقول: إنهم كانوا فرضاً عليهم الفسخ؛ لأمر رسول الله ﷺ لهم به، وحتمه عليهم، وغضبه عندما توقفوا في المبادرة إلى امتثاله، وأما الجواز والاستحباب: فللأمة إلى يوم القيامة».