وندبهم إلى ذلك، فرأى أناسا قد كرهوا ذلك، وامتعضوا منه واستهجنوه؛ لأنهم لم يكونوا يعهدون الحل قبل عرفة في أشهر الحج، فعزم عليهم الأمر حسما لمادة الشيطان، وإزالة لهذه الشبهة، كما أمرهم أولا بالفطر في السفر أمر رخصة، ثم لما دنوا من العدو أمرهم به أمر عزيمة، وكما أمرهم بالإحلال في عمرة الحديبية أمر عزيمة لما رآهم قد كرهوا الصلح، ومعلوم أنه لو لم يصالحهم، ومضى على عمرته لكان جائزا.
على أن بلالا لم يبين من يعود الضمير إليه في قوله:«لنا»، فيجوز أن يعود الضمير إلى ذلك الوفد كما تقدم، ويجوز أن يكون بلال ممن لم يسق الهدي، فقال: هو لنا من لا هدي معه خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل لنا خاصة.
وأما قولهم: فهلا وجب الفسخ على كل حاج، وصار كل من طاف بالبيت حلالا، سواء قصد التحلل أو لم يقصد، كما يروى عن ابن عباس، وامتنع الإفراد والقران لكونهما مفسوخين.
قلنا: لأن أصحاب رسول الله ﷺ من بعده حجوا مفردين وقارنين كما تقدم ذكره عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن الزبير [لعله أراد: الزبير بن العوام] وغيرهم، فعلم أنهم لم يفهموا وجوب التمتع مطلقا.
وأما ما ذكر عن أبي ذر وغيره من الصحابة في أنهم كانوا مخصوصين بالمتعة، فقد عارض ذلك أبو موسى، وابن عباس، وبنو هاشم، وهم أهل بيت رسول الله ﷺ وأعلم الناس بسنته، وقول المكيين من الفقهاء، وهم أعلم أهل الأمصار كانوا بالمناسك، … »، إلى آخر ما قال، وقد تقدم نقل بعضه.
قلت: أما ما يتعلق بالكلام على جواز الفسخ لعامة الأمة، فلا إشكال في ذلك فيما أورد على المخالفين، ولكن الإشكال فيمن يحمل كلامه على الإلزام بالفسخ للمفرد والقارن الذي لم يسق الهدي موافقة لابن حزم، وقد سبق الرد على ما يتعلق بهذا الإلزام، راجع في ذلك تعقبي على ابن حزم فيما ادعاه، ومما يحسن التنبيه عليه هنا: قوله في الوجه الخامس: أن أصحاب رسول الله ﷺ أفتوا بالفسخ بعده، ولو كان مختصا بذلك الركب لم يخف ذلك عليهم، وقد تقدم ذكر ذلك عن أبي موسى الأشعري وابن عباس.
فيقال: فإنه مقابل بما ثبت عن أبي ذر؛ أن متعة الحج كانت لنا أصحاب محمد ﷺ خاصة، وقوله هذا يدخل فيه الفسخ لزاما، وقد سبق أن بينت أن هذا الاختصاص إنما هو متعلق بالإلزام وحده، فتبقى الإباحة لعامة الأمة بعدهم، ويؤيده فعل الخلفاء الراشدين وعامة المهاجرين والأنصار بعدم العمل بالفسخ بعد النبي ﷺ، وتواردهم على إفراد الحج، مما يدل على أن الفسخ كان على الإباحة لعامة الأمة بعدهم وليس على الإلزام.
وفيما يتعلق بالوجه السادس، فقد بينت موجب الحاجة لبيان جواز العمرة في أشهر الحج عند تعقب ابن حزم في دعواه، وأما ما يتعلق بأقوال النبي ﷺ عند الميقات، وقبل