على حديث أبي موسى، وهي أن ذلك كان مما أرخص الله ﷿ لنبيه، وذلك مما لا يتهيأ لعمر أن يقوله إلا وقد ثبت عنده توقيف رسول الله ﷺ على ذلك، لأن هذا مما لا يوجد من جهة الرأي، ولا الاستنباط، ولا الاستخراج».
قلت: الطحاوي من أوائل المتوسعين في إطلاق الحكم بالرفع على موقوفات الصحابة، بدعوى أن مثله لا يقال من جهة الرأي والاجتهاد والاستنباط، وقد خالف في ذلك من تقدمه من الأئمة النقاد الذين استعملوا ذلك بقيود شديدة، كأن يروى مرفوعاً من وجه آخر، أو تقوم قرائن قوية على الرفع، ونحو ذلك، لا أنهم استعملوا هذه القاعدة على هذا النحو من التوسع، وهذا مثال على هذا التوسع في الإطلاق، بدليل:
ما وقع في رواية همام عن قتادة عن أبي نضرة، قال: قلت لجابر بن عبد الله: إن ابن الزبير ينهى عن المتعة، وإن ابن عباس يأمر بها، قال [يعني: جابراً]: على يديَّ جرى الحديث، تمتعنا مع رسول الله ﷺ، ومع أبي بكر ﵁، فلما ولى عمر خطب الناس، فقال: إن رسول الله ﷺ هذا الرسول، وإن هذا القرآن هذا القرآن وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله ﷺ، وأنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما، إحداهما: متعة النساء، ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل إلا غيبته في الحجارة، والأخرى: متعة الحج، افصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم.
وفي رواية شعبة، قال: سمعت قتادة، يحدث عن أبي نضرة، قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله، فقال: على يديَّ دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله ﷺ، فلما قام عمر، قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله، كما أمركم الله وفي رواية: فافصلوا حجكم من عمرتكم، وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أُوتى برجل نكح امرأة إلى أجل، إلا رجمته بالحجارة.
وظاهر من هذا السياق أنه كان اجتهاداً من عمر، وليس بتوقيف من النبي ﷺ، إذ لو كان توقيفاً لأخبر بذلك عن رسول الله ﷺ، ولما احتاج إلى قوله: افصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم، وقد جاء في بعض الروايات استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وأنه رأي رآه، ولم يكن توقيفاً من النبي ﷺ.
هذا فيما يتعلق بمتعة الحج، وأما متعة النساء؛ فلا إشكال أن التحريم كان من النبي ﷺ، ووافقه في ذلك عمر.
فإن قيل: جاء في حديث أبي موسى الأشعري، من رواية: قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى ﵁، قال: قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء، فقال:«بم أهللت؟»، قال: قلت: أهللت بإهلال النبي ﷺ، قال:«هل سُقتَ من هدي؟»، قلت: لا، قال:«فطف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حل»، فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأةً من قومي، فمشطتني وغسلت رأسي.