للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

بين الصفا والمروة، فهو قضاء الفسخ الذي أمر به الصحابة إلى العمرة، فحينئذ أمر كل من لم يكن معه هدي منهم أن يفسخ حجه إلى عمرة، وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة»، وكان هذا أمر حتم بالوحي، فإنهم لما توقفوا فيه قال: «انظروا الذي آمركم به فافعلوه».

فأما قول عائشة: خرجنا لا نذكر حجاً ولا عمرة، فهذا إن كان محفوظاً عنها، وجب حمله على ما قبل الإحرام، وإلا ناقض سائر الروايات الصحيحة عنها، أن منهم من أهل عند الميقات بحج، ومنهم من أهل بعمرة، وأنها ممن أهل بعمرة. وأما قولها: نلبي لا نذكر حجاً ولا عمرة، فهذا في ابتداء الإحرام، ولم تقل: إنهم استمروا على ذلك إلى مكة، هذا باطل قطعاً فإن الذين سمعوا إحرام رسول الله وما أهل به، شهدوا على ذلك، وأخبروا به، ولا سبيل إلى رد رواياتهم، ولو صح عن عائشة ذلك، لكان غايته أنها لم تحفظ إهلالهم عند الميقات، فنفته وحفظه غيرها من الصحابة فأثبته، والرجال بذلك أعلم من النساء.

وأما قول جابر : وأهل رسول الله بالتوحيد، فليس فيه إلا إخباره عن صفة تلبيته، وليس فيه نفي لتعيينه النسك الذي أحرم به بوجه من الوجوه، وبكل حال، ولو كانت هذه الأحاديث صريحة في نفي التعيين، لكانت أحاديث أهل الإثبات أولى بالأخذ منها؛ لكثرتها، وصحتها، واتصالها، وأنها مثبتة مبينة متضمنة لزيادة خفيت على من نفى، وهذا بحمد الله واضح؛ وبالله التوفيق.

وقال أيضاً في الزاد (٢/ ١١٤) (٢/ ١٤٥ - ط عطاءات العلم) نقلاً عن شيخ الإسلام: «وما ذكره بكر بن عبد الله المزني عن ابن عمر؛ أنه لبى بالحج وحده، فجوابه: أن الثقات الذين هم أثبت في ابن عمر من بكر، مثل: سالم ابنه ونافع، رووا عنه أنه قال: تمتع رسول الله بالعمرة إلى الحج، وهؤلاء أثبت عن ابن عمر من بكر.

فتغليط بكر عن ابن عمر أولى من تغليط سالم عنه، وتغليطه هو على النبي .

ويشبه أن ابن عمر قال له: أفرد الحج، فظن أنه قال: لبى بالحج، فإن إفراد الحج كانوا يطلقونه، ويريدون به إفراد أعمال الحج، وذلك ردّ منهم على من قال: إنه قرن قراناً طاف فيه طوافين وسعى فيه سعيين، وعلى من يقول: إنه أحل من إحرامه.

فرواية من روى من الصحابة أنه أفرد الحج ترد على هؤلاء.

يبين هذا ما رواه مسلم في صحيحه، عن نافع عن ابن عمر، قال: أهللنا مع رسول الله بالحج مفرداً، وفي رواية: أهل بالحج مفرداً. فهذه الرواية إذا قيل: إن مقصودها أن النبي أهل بحج مفرد، قيل: فقد ثبت بإسناد أصح من ذلك عن ابن عمر؛ أن النبي تمتع بالعمرة إلى الحج، وأنه بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، وهذا من رواية الزهري عن سالم عن ابن عمر. وما عارض هذا عن ابن عمر: إما أن يكون غلطاً عليه، وإما أن يكون مقصوده موافقاً له، وإما أن يكون ابن عمر لما علم أن النبي

<<  <  ج: ص:  >  >>