لأن ظاهر أمره لها بذلك في الحال لا في المال» [وانظر: مشارق الأنوار (٢/٢٧). الفتح لابن حجر (١/ ٤١٧)].
وقال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود (١/ ٢٩٠ - ط عالم الفوائد): «وقوله: «أهلي بالحج»: صريح في أن إحرامها الأول كان بعمرة، كما أخبرت به عن نفسها، وهو يبطل قول من قال: كانت مفردة، فأمرت باستدامة الإفراد.
وفي الحديث دليل على تعدد السعي على المتمتع، فإن قولها: ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم؛ تريد به الطواف بين الصفا والمروة، ولهذا نفته عن القارنين، ولو كان المراد به الطواف بالبيت لكان الجميع فيه سواء، فإن طواف الإفاضة لا يفترق فيه القارن والمتمتع.
وقد خالفها جابر في ذلك، ففي صحيح مسلم عنه؛ أنه قال: لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً؛ طوافه الأول.
وأخذ الإمام أحمد بحديث جابر هذا في رواية ابنه عبد الله، والمشهور عنه: أنه لا بد من طوافين على حديث عائشة، ولكن هذه اللفظة وهي: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت … إلى آخره قد قيل: إنها مدرجة في الحديث من كلام عروة».
قلت: كلامه من أوله إلى قوله: فإن طواف الإفاضة لا يفترق فيه القارن والمتمتع: كلام صائب صحيح، لا غبار عليه.
وأما جابر فإنه لم يخالف عائشة في حديثها الذي رواه عنها عروة، بل هما متفقان غاية الاتفاق: وذلك لأن قول جابر: «لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً؛ طوافه الأول»؛ يحمل على من ساق الهدي سواء كان قارناً أم مفرداً، أما النبي ﷺ فقد ساق الهدي، ودل سياق حجته على ذلك، أنه لم يطف بين الصفا والمروة إلا عند دخول مكة حين طاف بالبيت طواف القدوم، ثم يوم النحر طاف بالبيت طواف الإفاضة ولم يتبعه بالسعي بين الصفا والمروة، وفعل فعله من ساق الهدي من أصحابه، جاء ذلك صريحاً في حديث عقيل عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، فاتفق بذلك: حديث جابر، وعروة عن عائشة، وسالم عن ابن عمر، وأما الزيادة التي انفرد بها مالك فهي محفوظة من كلام عائشة، وليست مدرجة؛ لا من كلام الزهري، ولا من كلام هشام، ولا من كلام عروة، وسبق بيان ذلك في موضعه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
بل إن ابن القيم نفسه هو الذي ذكر اتفاق حديث جابر وحديث عائشة في شأن سعي القارنين، فقال في الزاد (٢/ ٢٧٣): «فالصواب: أن الطواف الذي أخبرت به عائشة، وفرقت به بين المتمتع والقارن؛ هو الطواف بين الصفا والمروة، لا الطواف بالبيت، وزال الإشكال جملة، فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما، لم يضيفوا إليه طوافاً آخر يوم النحر، وهذا هو الحق، وأخبرت عن المتمتعين أنهم طافوا بينهما طوافاً