وكيف يغلط راوي الأمر بالامتشاط بمجرد مخالفته لمذهب الراد؟ فأين في كتاب الله، وسنة رسوله، وإجماع الأمة: ما يحرّم على المحرم تسريح شعره؟!
ولا يسوغ تغليط الثقات لنصرة الآراء والتقليد.
والمحرم إن أمن من تقطيع الشعر؛ لم يمنع من تسريح رأسه، وإن لم يأمن من سقوط شيء من الشعر بالتسريح، فهذا المنع منه محل نزاع واجتهاد، «والدليل يفصل بين المتنازعين، فإن لم يدل كتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه فهو جائز».
وقال أيضاً (٢/ ١٦٤): «وأما موضع حيضها: فهو بسرف بلا ريب، وموضع طهرها قد اختلف فيه، فقيل: بعرفة؛ هكذا روى مجاهد عنها، وروى عروة عنها أنها أظلها يوم عرفة وهي حائض ولا تنافي بينهما، والحديثان صحيحان، وقد حملهما ابن حزم على معنيين، فطهر عرفة: هو الاغتسال للوقوف بها عنده، قال: لأنها قالت: تطهرت بعرفة، والتطهر غير الطهر، قال: وقد ذكر القاسم يوم طهرها، أنه يوم النحر، وحديثه في صحيح مسلم، قال: وقد اتفق القاسم وعروة على أنها كانت يوم عرفة حائضاً، وهما أقرب الناس منها، وقد روى أبو داود: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها: خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين هلال ذي الحجة … فذكرت الحديث، وفيه: فلما كانت ليلة البطحاء، طهرت عائشة، وهذا إسناد صحيح، لكن قال ابن حزم: إنه حديث منكر مخالف لما روى هؤلاء كلهم عنها، وهو قوله: إنها طهرت ليلة البطحاء، وليلة البطحاء كانت بعد يوم النحر بأربع ليال، وهذا محال إلا أننا لما تدبرنا وجدنا هذه اللفظة ليست من كلام عائشة، فسقط التعلق بها، لأنها ممن دون عائشة، وهي أعلم بنفسها. قال: وقد روى حديث حماد بن سلمة هذا وهيب بن خالد، وحماد بن زيد، فلم يذكرا هذه اللفظة.
قلت: يتعين تقديم حديث حماد بن زيد ومن معه على حديث حماد بن سلمة لوجوه:
أحدها: أنه أحفظ وأثبت من حماد بن سلمة.
الثاني: أن حديثهم فيه إخبارها عن نفسها، وحديثه فيه الإخبار عنها.
الثالث: أن الزهري روى عن عروة عنها الحديث، وفيه فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة، وهذه الغاية هي التي بينها مجاهد والقاسم عنها، لكن قال مجاهد عنها: فتطهرت بعرفة، والقاسم قال: يوم النحر».
وقال أيضاً (٢/ ١٦٢): «وللناس في هذه العمرة التي أتت بها عائشة من التنعيم أربعة مسالك: أحدها: أنها كانت زيادة تطييباً لقلبها وجبراً لها، وإلا فطوافها وسعيها وقع عن حجها وعمرتها، وكانت متمتعة ثم أدخلت الحج على العمرة، فصارت قارنة، وهذا أصح الأقوال، والأحاديث لا تدل على غيره، وهذا مسلك الشافعي وأحمد وغيرهما.
المسلك الثاني: أنها لما حاضت أمرها أن ترفض عمرتها، وتنتقل عنها إلى حج مفرد، فلما حلت من الحج أمرها أن تعتمر؛ قضاء لعمرتها التي أحرمت بها أولاً، وهذا