للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

الصريحة التي لا مدفع لها، ولا مطعن فيها، ولا تحتمل تأويلاً ألبتة؛ بلفظ مجمل - ليس ظاهراً - في أنها كانت مفردة، فإن غاية ما احتج به من زعم أنها كانت مفردة، قولها: خرجنا مع رسول الله لا نرى إلا أنه الحج. فيا الله العجب! أيظن بالمتمتع أنه خرج لغير الحج، بل خرج للحج متمتعاً، كما أن المغتسل للجنابة إذا بدأ فتوضأ لا يمتنع أن يقول: خرجت لغسل الجنابة؟ وصدقت أم المؤمنين إذ كانت لا ترى إلا أنه الحج حتى أحرمت بعمرة بأمره ، وكلامها يصدق بعضه بعضاً.

وأما قولها: لبينا مع رسول الله بالحج، فقد قال جابر عنها في الصحيحين: إنها أهلت بعمرة، وكذلك قال طاووس عنها في صحيح مسلم، وكذلك قال مجاهد عنها، فلو تعارضت الروايات عنها، فرواية الصحابة عنها أولى أن يؤخذ بها من رواية التابعين، كيف ولا تعارض في ذلك ألبتة، فإن القائل فعلنا كذا، يصدق ذلك منه بفعله، وبفعل أصحابه.

ومن العجب أنهم يقولون في قول ابن عمر: تمتع رسول الله بالعمرة إلى الحج، معناه: تمتع أصحابه، فأضاف الفعل إليه لأمره به، فهلا قلتم في قول عائشة: لبينا بالحج؛ إن المراد به جنس الصحابة الذين لبوا بالحج. وقولها: فعلنا، كما قالت: خرجنا مع رسول الله وسافرنا معه ونحوه. ويتعين قطعاً - إن لم تكن هذه الرواية غلطاً - أن تحمل على ذلك للأحاديث الصحيحة الصريحة، أنها كانت أحرمت بعمرة وكيف ينسب عروة في ذلك إلى الغلط، وهو أعلم الناس بحديثها، وكان يسمع منها مشافهة بلا واسطة.

وأما قوله في رواية حماد: حدثني غير واحد أن رسول الله قال لها: «دعي عمرتك»، فهذا إنما يحتاج إلى تعليله ورده إذا خالف الروايات الثابتة عنها، فأما إذا وافقها وصدقها، وشهد لها أنها أحرمت بعمرة، فهذا يدل على أنه محفوظ، وأن الذي حدث به ضبطه وحفظه، هذا مع أن حماد بن زيد انفرد بهذه الرواية المعللة، وهي قوله: فحدثني غير واحد، وخالفه جماعة، فرووه متصلاً عن عروة عن عائشة [قلت: قد سبق بيان وهم هذه الرواية، وأن المحفوظ عن حماد، ثم عن هشام، ثم عروة: أنه حديث متصل مسموع لعروة من عائشة].

فلو قدر التعارض، فالأكثرون أولى بالصواب، فيا الله العجب! كيف يكون تغليط أعلم الناس بحديثها وهو عروة في قوله عنها: وكنت فيمن أهل بعمرة؛ سائغاً بلفظ مجمل محتمل، ويقضى به على النص الصحيح الصريح الذي شهد له سياق القصة من وجوه متعددة قد تقدم ذكر بعضها؟ فهؤلاء أربعة رووا عنها؛ أنها أهلت بعمرة: جابر، وعروة وطاووس، ومجاهد، فلو كانت رواية القاسم وعمرة والأسود، معارضة لرواية هؤلاء لكانت روايتهم أولى بالتقديم لكثرتهم، ولأن فيهم جابراً، ولفضل عروة وعلمه بحديث خالتها .

ومن العجب قوله: إن النبي لما أمرها أن تترك الطواف، وتمضي على الحج، توهموا لهذا أنها كانت معتمرة، فالنبي إنما أمرها أن تدع العمرة وتنشئ إهلالاً بالحج، فقال لها: «وأهلي بالحج»، ولم يقل: استمري عليه، ولا امضي فيه.

<<  <  ج: ص:  >  >>