من التناقض. قالوا: وأما قوله: «هذه مكان عمرتك، فعائشة أحبت أن تأتي بعمرة مفردة، فأخبرها النبي ﷺ أن طوافها وقع عن حجتها وعمرتها، وأن عمرتها قد دخلت في حجها، فصارت قارنة، فأبت إلا عمرة مفردة كما قصدت أولاً، فلما حصل لها ذلك، قال: «هذه مكان عمرتك».
وفي سنن الأثرم، عن الأسود، قال: قلت لعائشة: اعتمرت بعد الحج؟ قالت: والله ما كانت عمرة، ما كانت إلا زيارة زرت البيت.
قال الإمام أحمد: إنما أعمر النبي ﷺ عائشة حين ألحت عليه، فقالت: يرجع الناس بنسكين، وأرجع بنسك؟ فقال: يا عبد الرحمن؛ أعمرها، فنظر إلى أدنى الحل، فأعمرها منه».
وقال أيضاً (٢/ ١٥٩): واختلف الناس فيما أحرمت به عائشة أولاً على قولين:
أحدهما: أنه عمرة مفردة، وهذا هو الصواب لما ذكرنا من الأحاديث، وفي الصحيح عنها، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع موافين لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله ﷺ:«من أراد منكم أن يهل بعمرة فليهل، فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة»، قالت: وكان من القوم من أهل بعمرة، ومنهم من أهل بالحج، قالت: فكنت أنا ممن أهل بعمرة، وذكرت الحديث … . وقوله في الحديث:«دعي العمرة وأهلي بالحج»، قاله لها بسرف قريباً من مكة، وهو صريح في أن إحرامها كان بعمرة.
القول الثاني: أنها أحرمت أولاً بالحج وكانت مفردة، قال ابن عبد البر: روى القاسم بن محمد، والأسود بن يزيد وعمرة، كلهم عن عائشة، ما يدل على أنها كانت محرمة بحج لا بعمرة، منها: حديث عمرة عنها: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلا أنه الحج، وحديث الأسود بن يزيد مثله، وحديث القاسم لبينا مع رسول الله ﷺ بالحج. قال: وغلطوا عروة في قوله عنها: كنت فيمن أهل بعمرة. قال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمع هؤلاء، يعني: الأسود والقاسم وعمرة، على الروايات التي ذكرنا، فعلمنا بذلك أن الروايات التي رويت عن عروة غلط، قال: ويشبه أن يكون الغلط، إنما وقع فيه أن يكون لم يمكنها الطواف بالبيت، وأن تحل بعمرة كما فعل من لم يسق الهدي، فأمرها النبي ﷺ أن تترك الطواف، وتمضي على الحج، فتوهموا بهذا المعنى أنها كانت معتمرة، وأنها تركت عمرتها، وابتدأت بالحج. قال أبو عمر: وقد روى جابر بن عبد الله، أنها كانت مهلة بعمرة، كما روى عنها عروة. قالوا: والغلط الذي دخل على عروة، إنما كان في قوله:«انقضي رأسك، وامتشطي، ودعي العمرة وأهلي بالحج». وروى حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: حدثني غير واحد؛ أن رسول الله ﷺ قال لها:«دعي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي، وافعلي ما يفعل الحاج». فبين حماد أن عروة لم يسمع هذا الكلام من عائشة».
قال ابن القيم معقباً (٢/ ١٦٠): «قلت: من العجب رد هذه النصوص الصحيحة