للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

الكلام الأخير من قول هشام بن عروة، جاء ذلك في صحيح مسلم مصرحاً به، « … »، فذكره ثم قال: «قال أبو محمد [يعني: ابن حزم]: إن كان وكيع جعل هذا الكلام لهشام؛ فابن نمير وعبدة أدخلاه في كلام عائشة، وكل منهما ثقة، فوكيع نسبه إلى هشام؛ لأنه سمع هشاماً يقوله، وليس قول هشام إياه بدافع أن تكون عائشة قالته، فقد يروي المرء حديثاً يسنده، ثم يفتي به دون أن يسنده، فليس شيء من هذا بمتدافع، وإنما يتعلل بمثل هذا من لا ينصف ومن اتبع هواه، والصحيح من ذلك أن كل ثقة فمصدق فيما نقل، فإذا أضاف عبدة وابن نمير القول إلى عائشة، صدقا لعد التهما، وإذا أضافه وكيع إلى هشام، صدق أيضاً لعد الته، وكل صحيح، وتكون عائشة قالته وهشام قاله.

قلت: هذه الطريقة هي اللائقة بظاهريته، وظاهرية أمثاله ممن لا فقه له في علل الأحاديث، كفقه الأئمة النقاد أطباء علله، وأهل العناية بها، وهؤلاء لا يلتفتون إلى قول من خالفهم ممن ليس له ذوقهم ومعرفتهم، بل يقطعون بخطئه بمنزلة الصيارف النقاد، الذين يميزون بين الجيد والرديء، ولا يلتفتون إلى خطأ من لم يعرف ذلك.

ومن المعلوم أن عبدة وابن نمير لم يقولا في هذا الكلام: قالت عائشة، وإنما أدرجاه في الحديث إدراجاً، يحتمل أن يكون من كلامهما، أو من كلام عروة، أو من هشام، فجاء وكيع، ففصل وميز، ومن فصل وميز فقد حفظ وأتقن ما أطلقه غيره، نعم لو قال ابن نمير وعبدة: قالت عائشة، وقال وكيع: قال هشام، لساغ ما قال أبو محمد، وكان موضع نظر وترجيح».

وقال أيضاً (٢/ ١٥٦): «واختلف الفقهاء في مسألة مبنية على قصة عائشة، وهي أن المرأة إذا أحرمت بالعمرة فحاضت ولم يمكنها الطواف قبل التعريف، فهل ترفض الإحرام بالعمرة، وتهل بالحج مفرداً، أو تدخل الحج على العمرة وتصير قارنة؟ فقال بالقول الأول فقهاء الكوفة، منهم: أبو حنيفة وأصحابه، وبالثاني: فقهاء الحجاز، منهم: الشافعي، ومالك، وهو مذهب أهل الحديث كالإمام أحمد وأتباعه.

قال الكوفيون: ثبت في الصحيحين، عن عروة، عن عائشة؛ أنها قالت: أهللت بعمرة فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ، فقال: «انقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة»، قالت: ففعلت، فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت منه، فقال: «هذه مكان عمرتك». قالوا: فهذا يدل على أنها كانت متمتعة، وعلى أنها رفضت عمرتها وأحرمت بالحج؛ لقوله : «دعي عمرتك»، ولقوله: «انقضي رأسك وامتشطي»، ولو كانت باقية على إحرامها، لما جاز لها أن تمتشط، ولأنه قال للعمرة التي أتت بها من التنعيم: «هذه مكان عمرتك»، ولو كانت عمرتها الأولى باقية لم تكن هذه مكانها، بل كانت عمرة مستقلة.

قال الجمهور: لو تأملتم قصة عائشة حق التأمل، وجمعتم بين طرقها وأطرافها، لتبين

<<  <  ج: ص:  >  >>