وأوقع بمن في الأثارب من الروم فقتلهم واستفك أسارى بزاعة وسباياها، وسار ملك الروم بجموعه إلى شيزر وحصرها، ونصب عليها ثمانية عشر منجنيقًا، فأرسل صاحبها أبو العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني إلى زنكي يستنجده، فسار زنكي ونزل على العاصي بين حماة وشيزر، وكان يركب عماد الدين زنكي وعسكره كل يوم على الروم وهم محاصرون لشيزر بحيث يراهم الروم، ويرسل السرايا فيأخذون كل من وجدوه من الروم منفردًا، وأقام ملك الروم يحاصر شيزر أربعة وعشرين يومًا ثم رحل عنها ولم ينل منها غرضًا، وسار زنكي في أثر الروم فظفر بكثير ممن تخلّف منهم، ومدح الشعراء زنكي بسبب ذلك، فمنه ما قاله مسلم بن خضر بن قسيم الحموي (١): [من الوافر]
لعزمك أيها الملك العظيم … تذلُّ لك الصعاب وتستقيم
أَلَمْ تَرَ أن كلب الروم لما … تيقّن أنك الملك الرحيم
وقد نزل الزمان على رضاه … وأَنَّ لخطبه الخطب العظيم
فحين رميته بكَ عن خميس … تيقّنَ فَوْتَ ما أمْسى يوم
كأنك في العجاج شهاب نورٌ … توقَّدَ وهو شيطان رجيم
أراد بقاء مهجتِهِ فولى … وليس سوى الحمام لهُ حَمِيمُ
وكان (٢) الراشد قد سار من بغداد إلى الموصل كما تقدم ذكره وخُلع، ثم فارق الراشد زنكي وسار إلى مراغة واتفق مع ملوك الأطراف والسلطان داود على خلاف مسعود وقتاله وإعادة الراشد إلى الخلافة، فسار السلطان مسعود إليهم واقتتلوا فانهزم داود وغيره، واشتغل أصحاب مسعود بالكسب، وبقي هو وحده، فحمل عليه أميران يقال لأحدهما بوازبة وللآخر عبد الرحمن طغايرك، فانهزم مسعود من بين أيديهما، وقبض بوازبة على جماعة من أمرائه وعلى صدقة بن دبيس صاحب الحلة وقتلهم أجمعين، وكان الراشد إذ ذاك بهمدان، فلما كان من تلك الوقعة ما كان، سار السلطان داود إلى فارس، وتفرقت تلك الجموع، وبقي الراشد وحده فسار إلى أصفهان، فلما كان الخامس والعشرون من رمضان وثب عليه نفرٌ من الخراسانية الذين في خدمته، فقتلوه وهو يريد القيلولة، وكان في أعقاب مرض قد برأ منه، ودفن بظاهر
(١) مسلم بن الخضر بن المسلم بن قسيم،، أبو المجد الحموي التنوخي، من شعراء نور الدين توفي سنة ٥٤١ هـ انظر ترجمته في: الوافي ٢٥/ ٥٥٥ والخريدة (شعراء الشام) ١/ ٤٣٣ وفوات الوفيات ٤/ ١٣٤ والروضتين ١/ ٨٢ ومفرج الكروب ١/ ٨٢ وجمع شعره ونشره محققًا: سعود محمود عبد الجابر. (٢) المختصر/ ١٣ والكامل ٨/ ٣٦١.