للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هاربين، وكثر القتل (١) فيهم، ونهيت الفرنج خيامهم وتقووا بالأقوات والسلاح، وساروا إلى المعرة، واستولوا عليها، ووضعوا السيف في أهلها فقتلوا مائة ألف إنسان، وسبوا السبي الكثير، وأقاموا بالمعرة أربعين يومًا، وساروا إلى حمص فصالحهم أهلها.

وفي اثنتين وتسعين: ملك (٢) الفرنج بيت المقدس، كان تتش قد أقطع بيت المقدس للأمير أرتق، فلما توفي صار لولديه ايلغازي وسقمان حتى خرج عسكر خليفة مصر، فاستولوا على القدس بالأمان في شعبان سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وسار سقمان وإيلغازي، فأقام سقمان بالرها، ودخل إيلغازي العراق، وبقي القدس في أيدي المصريين إلى هذه السنة، فقصده الفرنج وحصروه نيفًا وأربعين يومًا، وملكوه يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان هذه السنة. لَبِثَ الفرنج يقتلون المسلمين بالقدس أسبوعًا، وقُتل من المسلمين في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألف نفس، منهم جماعة من أئمة المسلمين وعلمائهم وزهادهم وعبادهم المجاورين بذلك الموضع الشريف، وغنموا ما لم يقع عليه الإحصاء، ووصل المستنفرون إلى بغداد في رمضان، فاجتمع أهل بغداد في الجوامع وبكوا واستغاثوا، ووقع الخلاف بين الملوك السلجوقية فتمكن الفرنج من البلاد، وقال في ذلك المظفّر الابيوردي (٣) أبياتًا منها (٤): [من الطويل]

مزجنا دماء بالدموع السواجم … فَلَمْ يَبْقَ منا عرضة للمراجم

وشر سلاح المرء دمع يُفيضُهُ … إذا الحربُ شَبّتْ نارها بالصوارم

وكيف تنام العينُ مِلْءَ جفونها … على هفوات أيقظت كلَّ نائم

وإخوانكم بالشام يُضحى مقيلهم … ظهور المذاكي أو بطون القشاعم

يسومهم الروم الهوان وأنْتُم … تجرّونَ ذيل الخفض فعل المسالم

وكَمْ مِنْ دماء قد أُبيحت ومن دمى (٥) … تواري حياءً حسنها بالمعاصِمِ

أترضى صناديد الأعاريب بالأذي … وتُغضي على ذل كماة الأعاجم


(١) في الأصل: القتلى.
(٢) المختصر ٢/ ٢١١ والكامل ٨/ ١٨٩ وانظر: تاريخ الخلفاء ص ٤٢٧ وتاريخ مختصر الدول ص ٣٤٢ والبداية والنهاية ١٢/ ١٥٦ والنجوم الزاهرة ٥/ ١٦٤.
(٣) أبو المظفر محمد بن أحمد بن محمد الأبيوردي، سيذكره المؤلف في وفيات سنة ٥٠٧ هـ انظر ترجمته هناك.
(٤) الأبيات في تاريخ الخلفاء ص ٤٢٧ والكامل ٨/ ١٨٩ والبداية والنهاية ١٢/ ١٥٦.
(٥) في المختصر: دم.

<<  <  ج: ص:  >  >>