للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أنا ملك الدنيا ولا يقدر أحدٌ عليَّ، فعجزني الله بأقل خلقه، وأنا استغفر الله تعالى من ذلك الخاطر، وكان جرح السلطان في سادس ربيع الأول، وتوفي عاشر ربيع الأول هذه السنة، وعمره أربعون سنة وشهور، وكان مدة ملكه من خُطب له بالسلطنة تسع سنين وستة أشهر وأيامًا، وأوصى بالسلطنة لابنه ملك شاه وكان في صحبته، فحلَفَ له جميع العسكر واستقر في السلطنة، وكان المستولي على الأمر نظام الملك وزير السلطان ألب أرسلان، وعاد ملكشاه بالعسكر من بلاد ما وراء النهر إلى خراسان، وأرسل إلى بغداد وغيرها فخطب له بها، واستمر نظام الملك على وزارته، ولما استقر ملك شاه خرج عمه قاروت (١) بك صاحب كرمان عن طاعته، فسار إليه، والتقى الجمعان، فانهزم عسكر قاروت، وأتى به إلى ملك شاه أسيرًا فخنقه وأقرّ كرمان على أولاده، ولما انتصر ملك شاه كثرت اذيّة عسكره للبلاد، ففوض الأمور إلى نظام الملك، وحلف له وزاده من الإقطاعات على ما بيدِهِ مدينة طوس والري وغيرهما، ولقبه أتابك ومعناه الوالد الأمير، فأحسن نظام الملك السياسة والتدبير.

وفي هذه السنة: كانت (٢) قد استولت والدة المستنصر العلوي خليفة مصر على الأمر، فضعف أمر الدولة وصارت العبيد حزبًا والأتراك حزبًا وجرى بينهم حروب، وكان ناصر الدولة (٣) الحمداني من أكبر قواد مصر، والمشار إليه فيهم، فاجتمعت إليه الأتراك، وجرى بينهم وبين العبيد عدّة حروب، وحصر ناصر الدولة مصر، وقطع الميرة عنها برًا وبحرًا، فَغَلَتِ الأسعار بها وعدم ما كان بخزائن المستنصر كما تقدم ذكره، وعدم المتحصل بسبب انقطاع السبل، ثم استولى ناصر الدولة على مصر، وانهزمت العبيد وتفرقت في البلاد، واستبد ناصر الدولة بالحكم، وقبض على والدة المستنصر وصادرها بخمسين ألف دينار، وتفرّق عن المستنصر أولاده وأهله، وانقضت سنة أربع وستين وأربعمائة بالفتن، وبالغ ناصر الدولة في إهانة المستنصر، حتى بقي المستنصر يقعد على حصير لا يقدر على غيرها، وكان غرضه في ذلك أن يخطب للخليفة العباسي، وفطن لفعله قائد كبير من الأتراك اسمه الدكز، فاتفق مع جماعة، وقصد ناصر الدولة في داره، فخرج إليهم ناصر الدولة مطمئنًا، فضربوه بسيوفهم حتى قتلوه وقتلوا أخاه فخر العرب، وتتبعوا جميع من في مصر من بني حمدان فقتلوهم عن آخرهم، وكان قتلهم في هذه السنة أعني سنة خمس وستين، وبقي الأمر


(١) في الأصل: قاوت.
(٢) المختصر ٢/ ١٨٩ والكامل ٨/ ١١٥ والنجوم الزاهرة ٥/ ٩٠.
(٣) بعدها في المختصر: وهو من أحفاد ناصر الدولة بن حمدان.

<<  <  ج: ص:  >  >>