للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الحريم ودخل الباب النوبي، فركب الخليفة القائم لابسًا للسواد وعلى كتفيه البردة وبيده سيف، وعلى رأسه لواء وحوله زمرة من العباسيين والخدم بالسيوف المسللة وسرى النهب إلى باب الفردوس من داره، فلما رأى الخليفة ذلك، رجع إلى وراءه وصعد المنظرة، ومعه رئيس الرؤساء، فقال رئيس الرؤساء لقريش بن بدران: يا علم الدين، أمير المؤمنين القائم يستذم بذمامك وذمام رسول الله وذمام العربية على نفسه وماله وأهله، فأعطاه قريش مخصرته ذمامًا، فنزل القائم ورئيس الرؤساء إلى قريش وسار معه، فأرسل البساسيري إلى قريش وقال له: اتخالف ما استقر بيننا، وكان قد استقر بينهما أن لا يستبد أحد دون الآخر، ثم اتفقا على تسليم رئيس الرؤساء إلى البساسيري؛ لأنه عدوه، ويبقى الخليفة عند قريش وحمل قريش الخليفة إلى معسكره بالبردة والقضيب واللواء، ونُهبت دار الخلافة وحريمها أيامًا، ثم سلم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارش فسار به مهارش إلى حديثة عانة، فنزل بها، وسار أصحاب الخليفة إلى طغرلبك، وأما البساسيري فإنه ركب يوم عيد النحر إلى المصلى وعلى رأسه الوية خليفة مصر وأحسن إلى الناس، ولم يتعصب لمذهب، وكانت والدة القائم باقية قاربت تسعين سنة فأفرد لها البساسيري دارًا، وأعطاها جاريتين من جواريها وأجرى لها الجراية، وكان قد حبس البساسيري رئيس الرؤساء، فأحضره من الحبس، فقال رئيس الرؤساء: العفو، فقال البساسيري: أنت قدرت فما عفوت وأنت صاحب طيلسان، وفعلت الأفعال القبيحة مع حرمي وأطفالي، وكان قد ألبس رئيس الرؤساء طرطورًا أحمر استهزاء به، وفي رقبته مخنقة جلود، وطافوا به إلى النجمي وهو يقرأ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ (١). فلما مر رئيس الرؤساء بأهل الكرخ بصقوا في وجهه؛ لأنه كان يتعصب عليهم، ثم ألبس جلد ثور، وجُعلَتْ قرونه على رأسه، وجعل في يده كلابان من حديد، وصلب، وبقي إلى آخر النهار ومات.

وأرسل (٢) البساسيري إلى المستنصر العلوي يخبره بإقامة الخطبة له بالعراق، وكان الوزير هناك ابن أخي أبي القاسم المغربي، وهو ممن هرب من البساسيري فبردَ فعل البساسيري، وخوّف من عاقبته، فتركت أجوبته مدّة، ثم عادت بخلاف ما أمل، ثم سار البساسيري من بغداد إلى واسط والبصرة فملكهما، وأما طغرلبك فكان قد


(١) سورة آل عمران: الآية ٢٦.
(٢) المختصر ٢/ ١٧٨ والكامل ٨/ ٨٣ والمغرب في حلى المغرب (قسم مصر) ص ٨٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>