وتوفي القائم وتملك ابنه المنصور إسماعيل على ما نذكره فجهز المنصور عساكره وهو مقدمهم إلى القيروان. واستعادها من أبي يزيد وذلك سنة أربع وثلاثين وثلثمائة، ودام حالهم على القتال إلى سنة خمس وثلاثين فأدرك أبا يزيد على مدينة باغاية (١)، فهرب أبو يزيد إلى طَبْنَة (٢)، ثم هرب إلى جبل البربر، اسم ذلك الجبل برزال (٣)، والمنصور في أثره، واشتد على عسكر المنصور الحال حتى بَلَغَتِ العليقة الشعير دينارًا ونصفًا، وبَلَغَتْ قربة الماء دينارًا، فرجع المنصور إلى بلاد صنهاجة ووصل إلى قرية عمره. واتصل هنالك بالمنصور العلوي الأمير زيري (٤) الصنهاجي، وهو جد ملوك بني باديس على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، فأكرمه المنصور، ومرض المنصور هناك مرضًا شديدًا، ثم تعافى ورحل إلى المسيلة (٥) ثاني رجب سنة خمس وثلاثين، وكان قد اجتمع إلى أبي يزيد جمع من البربر، وسبق المنصور إلى مسيلة، فلما وصلها هرب عنها أبو يزيد إلى جهة بلاد السودان، ثم صعد أبو يزيد إلى جبال كتامة، فسار المنصور عاشر شعبان إليه، واقتتلوا فقتل غالب جماعة أبي يزيد، وانهزم، فسار المنصور في أثره أول شهر رمضان، واقتتلوا أيضًا، وانهزم أبو يزيد إلى قلعة كتامة وهي ممتنعة، فحاصرها المنصور، وداوم الزحف عليها، ثم ملكها المنصور عنوة، وهرب أبو يزيد من القلعة من مكان وعر، فسقط، وأخذ وحمل إلى المنصور، فسجد شكرًا لله تعالى وكثر تكبير الناس وتهليلهم، وبقي أبو يزيد في الأسر مجروحًا، فمات في سلخ محرم سنة ست وثلاثين وثلثمائة فسلخ جلده، وحشي تبنًا، وكتب المنصور إلى سائر البلاد بقتل أبي يزيد، وعاد إلى المهدية فدخلها في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وثلثمائة (٦).
(١) في المختصر: كاغلية، وهو تحريف لعله من أخطاء الطباعة. وباغاية كما في الاستبصار ص ١٦٣: مدينة عظيمة جليلة فيها آثار للأول، ولها أنهار عامرة وعيون ومزارع ومسارح، وهي تحت جبل أدراس، انظر كذلك معجم البلدان (باغاية). (٢) في المختصر: طبة، وهي مدينة كبيرة قديمة عليها سور من طوب، ولها حصن قديم عليه سور من صخر .. ولها أرباض واسعة .. ولم يكن من القيروان إلى سجلماسة مدينة أكبر منها. انظر: الاستبصار ص ١٧٢. (٣) في الأصل: بردال والتصويب عن المختصر والكامل. (٤) هو الأمير زيري بن مناد الصنهاجي الحميري على ما في الكامل/ ٦/ ٣١٠ واتعاظ الحنفا ١/ ٨٤. (٥) المسيلة من بلاد الزاب أحدثها أبو القاسم إسماعيل بن عبيد الله الشيعي سنة ٣١٣ هـ وتسمى الآن مدينة المحمدية انظر الاستبصار ص ١٧١. (٦) انظر تفاصيل أحداث أبي يزيد في كامل ابن الأثير ٦/ ٣٠٢ - ٣١١ واتعاظ الحنفا ١/ ٧٥ - ٨٧.